أكاذيب الأحباش وتحريفاتهم

زعم الحبشي أن صفات الله عند الشافعي قسمان : قسم الحبشي يُعرف بالعقل كالصفات الثلاث عشرة كصفات القيام بالنفس وقيام الحوادث وجاحده يكفر بالله . والقسم الثاني لا يدرك بالعقل (صريح البيان 101-102 ط: مجلدة). حدد الحبشي عدد الصفات الإلهية بـ : ثلاث عشرة صفة وزعم أن الشافعي كان يحكم بكفر من لم يثبتها لله (صريح البيان 37).

لقد ضبطت العديد من أنواع التحريف والدس الذي قام به الأحباش. وهم اذا احتججت عليهم بنص لا يوافق أهواءهم سارعوا الى القول (لعل هذا النص مدسوس على المؤلف) وهي أفضل الطرق للهروب من النصوص. وهم أول من يتوجه اليهم الاتهام بتحريف الكتب والحذف منها والاضافة فيها. لقد أهدي الي منذ سنوات كتاب (تحفة الأنام مختصر تاريخ الاسلام) للشيخ عبد الباسط فاخوري رحمه الله (مفتي بيروت سابقا) تحقيق: مركز الخدمات والأبحاث الثقافية الشيخ نزار فاخوري تولت طباعته ونشره (دار الجنان) وهذا المحقق لم يذكر في مقدمته شيئا عن عمله ولا النسخة التي اعتمدها أثناء التحقيق. وقبل عدة أيام وأنا أقلب بين يدي كتاب (صيانة الانسان) للشيخ محمد بشير السهسواني الهندي (توفي سنة 1326) ووجدته قد عزا نصا من كلام الشيخ عبد الباسط عن أحوال الوهابية وتاريخهم وعقيدتهم وأن مبادئهم لا تختلف عما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله، وبحثت عن النص من كتاب (تحفة الأنام) للشيخ عبد الباسط فاخوري فلم أجد فيه شيئا، غير أني وجدت نصا يتعلق بالوهابية وفيه " ثم في غضون ذلك ظهرت الطائفة الوهابية في بلاد نجد واستولوا على مكة المكرمة والمدينة المنورة وباقي بلاد الحجاز حتى قاربوا بلاد الشام من جهة دمشق» (تحفة الأنام ص 199 محقق). والكلام لم ينته عنهم بعد. وفجأة وجدت المحقق عقب بعد هذه الجملة ( ص 200) بإعلان كلمة بالخط العريض (بـيـان) ثم كتب في الحاشية « يوجد سقط في النسخة إن شاء الله سنستدركها في الطبعة الثانية». وهذا النص لا يخلو من الاحتيال لمن تدبره.

* فلم يحدد أين يوجد السقط هل هو سقط من نسخة مخطوطة، ولعل الواضح أنه يعني أن السقط واقع في النسخة التي يحققها وسيخرجها للناس. وهو بذلك لم يكذب لأنه يكره الكذب لكنه يحب التدليس، فقد أوهم الناس أن السقط واقع في النسخة الأصلية التي اعتمدها في التحقيق. ومعروف عن أمثال هذا أنه يهربون من الكذب بطريقة الاحتيال وقد علمهم شيخهم ذلك حين أباح بطريق الحيلة مادة (السبيرتو) التي كان حرمها من قبل ثم فال «وهذه حيلة يراد بها التخلص من الحرام».

* وقد جرت العادة أن يقول المحقق عندما يجد سقطا (يوجد سقط في المخطوط أو الأصل). ولو قال (يوجد سقط في الأصل) لانتهى الإشكال.

* أضف الى ذلك أن الكتاب مطبوع من قبل ولا يمكن أن تكون المخطوطة متوافرة عند المحقق من دون ا‏لنسخة المطبوعة المتداولة المطبوعة في حياة المفتي المؤلف وهي النسخة التي أرجح أن تكون النسخة التي اعتمدها صاحبنا المحقق.

* ثم ان قول المحقق (سنستدركه في الطبعة الثانية) يعني أن النص الساقط ليس مفقودا عنده بل هو بحوزته والا لما وعد بالاستدراك: فلماذا لم يؤخر اخراج النسخة وتحقيقها حتى يثبت النص (إن كان ساقطا)؟ وحملهم على هذا التحريف الخوف من الاحتجاج عليهم به بالشيخ عبد الباسط رحمه الله حيث سرد عقيدة محمد بن عبد الوهاب نقلا عن كتاب له. وهم يقولون للناس: عقيدتنا هي عين عقيدة الشيخ عبد الباسط فاخوري. وهنا قد يقول الناس لهم: فما موقفكم من ثناء الشيخ عبد الباسط على عقيدة محمد بن عبد الوهاب عقيدته ووصفها بأنها لا تخرج عما جاء به رسولنا صل الله عليه وسلم ؟! وقد وجدت نسخة أصلية كانت قد طبعت في حياة الشيخ عبد الباسط ومختومة بختمه.

وهي لا تزال محفوظة في الرياض بمركز الملك فيصل رقم (0025725) طبعت في حياة المؤلف مكتوب على غلافها: (كتاب تحفة الأنام مختصر تاريخ الاسلام) تأليف : علامة المعقول والمنقول ودراكة الفروع والأصول المحدث الثبت الذي تنضى اليه ركاب الطلب والمفتي النقاب الذي ينسل اليه من كل حدب : مولانا صاحب الفضيلة الشيخ عبد الباسط أفندي فاخوري : مفتي مدينة بيروت (((حالا))) حفظه الله وهذا يعني أن النسخة - الكاملة غير الناقصة - والتي بحوزتي طبعت ونشرت في حياة المؤلف رحمه الله.

ولقد تبين لي أن (المحقق!) قد أسقط ست صفحات كلها أعطى فيها الشيخ عبد الباسط نبذا من قواعد وعقائد الوهابية مقتبسة من مؤلفات شيخهم محمد بن عبد الوهاب، ثم عقب الشيخ عبد الباسط قائلا « وهذه الرسالة والقواعد التي أسسها ذلك الشيخ لا شبهة فيها لأن هذا هو الدين الذي جاء به النبي والأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين» غير أن الشيخ عبد الباسط انتقدهم لأنهم أفرطوا عند تطبيقهم لهذه القواعد. ان هذا التلاعب لا يمكن أن يكون عفويا منهم لا سيما وأن حذفهم انتهى مع انتهاء قول الشيخ عبد الباسط (ثم نعود الى المقصود ففي...) واستبدلوا الفاء (ففي) بالواو (وفي) حتى لا يظهر الحذف.

وظنوا أن الأمر انتهى ولكن يشاء الله أن يفضح حالهم ليعرفهم الناس على حقيقتهم بأنهم (لصوص النصوص). كذبهم على الحافظ ابن حجر ومن كذب الأحباش الذي لا يتنبه له العامة قولهم "ولما قال الصحابي بلال بن الحارث : يا رسول الله: استسق لأمتك" ثم قالوا " قال الحافظ ابن حجر "رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح" (فتح الباري 2:495).

ولكن الحافظ صحح سند الرواية التي ليس فيها أن القائل هو الصحابي بلال بن الحارث. وانما قال بعد انتهائه من الرواية التي صححها "وروى سيف في الفتوح أن الذي قال ذلك هو بلال بن الحارث المزني" فانظر الى تدليس القوم وتلاعبهم ومزجهم بين الروايتين بما لم يفعله الحافظ في الفتح. فإن الحافظ ذكر رواية سيف ولم يعقب عليها وإنما عقب على الرواية التي قبلها والتي ليس فيها تسمية القائل (استسق لأمتك).. على أن الرواية التي فيها أن الرجل هو بلال بن الحارث فإن راويها سيف كما قال الحافظ في الفتح، وسيفً هذا زنديق بشهادة نقاد الحديث اتهمه ابن حبان بأنه كان يضع الحديث، ورماه هو والحاكم بالزندقة " (تهذيب التهذيب 4/295). قال ابن أبي حاتم "ضعيف " (الجرح والتعديل 4/278) " فقول الأحباش " قال ابن حجر: إسناده صحيح" فهو من مفترياتهم على الحافظ. وكيف يصحح الحافظ إسنادا، يرويه سيف في (الفتوح)، والحافظ هو الذي يقول عن سيف في كتابه "تقريب التهذيب "ضعيف الحديث:، ومن قال فيه ذلك فلا يقبل حتى في المتابعات كما هو معلوم من اصطلاحه، ذكره في مقدمة كتابه. (أنظر تقريب التهذيب ترجمة رقم 2724 صفحة رقم 262 ط: دار الرشيد بحلب).

فما للأحباش وتعمد الكذب؟ كذبهم على السبكي وكان السبكي يقصد بـ (الاستغاثة بالنبي): الاستغاثة إلى الله بالنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال "اعلم أنه يجوز التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه". ثم استدل على ذلك بحديث "يا رب أسألك بحق محمد" [شفاء السقام في زيارة خير الأنام 160-161 دار الآفاق. والحديث موضوع كما في تعقيب الذهبي على مستدرك الحكم 2/615].

ثم قال "ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه، فالمسئول في هذه الدعوات كلها هو الله وحده لا شريك له، والمسئول به مختلف، ولم يوجب ذلك إشراكاً ولا سؤال غير الله، كذلك السؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس سؤالاً للنبي صلى الله عليه وسلم بل سؤال لله به". وضرب لذلك مثلاً أن تقول "استغثت الله بالنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول: سألت الله بالنبي صلى الله عليه وسلم " [شفاء السقام ص 174 و176].

وهذا يفيد: أن سؤال غير الله شرك عند السبكي. وأن الاستغاثة بالنبي معناها عنده: الاستغاثة بالله بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه عادة يختصر العبارة ويقول (الاستغاثة بالنبي). ولذلك قال "وقد يحذف المفعول به (أي الله المستغاث) ويقال: استغثت بالنبي صلى الله عليه وسلم " [شفاء السقام 176].

على أن هذا خطأ من السبكي أدى إلى استغلاله فيما بعد. بل قال السبكي في قوله تعالى "إن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله" وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص [فتاوى السبكي 1/13 طبقات السبكي 10/304].

فانظروا كيف كذب هؤلاء على السبكي وزعموا أنه يرى التوسل والاستغاثة بمعنى واحد وتجاهلوا ما فصله هو حتى لا يظن بأنه لا يفرق بين الاستغاثة والتوسل