الرد المفصل على عبد اللطيف (الجزء الثاني).

لا يكفي يا عبد اللطيف أن تأتي بالمصادر اللغوية وتقول هذه الصفة تأتي في اللغة بمعنى كذا. فيقال لك:

1 - نحن لا نعرف ديننا من خلال قواميس اللغة لا سيما اذا كان اللغويون أشاعرة أو معتزلة. ولكننا نعرف ديننا من خلال ما نقل عن الأئمة الأعلام الذين جعلهم أئمة يهدون بأمره لما صبروا. ومنهم الامام أحمد فمالك تنسج دائما غزلك بعيدا عن درب السلف. وتهرب منهم الى كتب اللغة.

وان كانت قواميس اللغة عندك هي الفيصل والفرقان الذي تبني عليه مذهبك فيلزمك تفسير الاستواء المتعدي بعلى (ثم استوى على العرش) يعني الجلوس كما قال تعالى (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم اذا استويتم عليه) أليس الاستواء المتعدي بعلى هنا يفيد الجلوس فلماذا لم تصفوا به ربكم مع أن اللغة شاهدة بأن الاستواء على الشيء يعني الجلوس عليه.

وأين معرفتك باللغة في صفة الاستواء وقد قال لك إمام اللغة ابن الاعرابي – كما حكاه عنه الحافظ – أن تأويل الاستواء بالاستيلاء ليس من اللغة.

الشهادة على الأشاعرة من كلام ابي الحسن الأشعري، وأما الشهادة الأشعرية في حق الأشاعرة فقد قال الأشعري " وقالت المعتزلة : يد الله بمعنى نعمة الله " .

وقال أبو منصور البغدادي : " وقالت المعتزلة يد الله معناه : قدرة الله قال : وقولهم باطل (مقالات الإسلاميين 157 و 167 و 211 و 195 و 218 و 291 الإبانة 95 تبيين كذب المفتري 150 وأصول الدين 110 وانظر شرح الأصول الخمسة 228 ومتشابه القرآن 231 للقاضي عبد الجبار المعتزلي).

وقال أيضا " وقال القدرية (أي المعتزلة) يد الله أي قدرته. " وقولهم باطل ، قال "وزعم الجُبَّائي من المعتزلة أن يد الله بمعنى النعمة " وهذا خطأ لأن الله تعالى أخبر انه خلق آدم بيديه ، والنعمة مخلوقة ، والله لا يخلق مخلوقاً بمخلوق"(أصول الدين 110 و 111)
قال ابن خزيمة " وزعمت الجهمية المعطلة أن معنى قوله تعالى { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي النعمتان ، وهذا تبديل لا تأويل "(كتاب التوحيد لابن خزيمة 1 / 197)
وصرح ابن الجوزي بأن تأويل اليد بالقدرة تأويل المعتزلة وهو باطل(مجالس ابن الجوزي 7).

وقال أبو منصور البغدادي " وزعم بعض القدرية أن اليد بمعنى القدرة "(اصول الدين 111). والقدرية هم المعتزلة.

وتعجب من فرار الأشاعرة عن أحمد والأوزاعي الى المعتزلة وهم يزعمون أنهم أعداء للمعتزلة.

2 – أن الواقع شهد منع العديد من الأشاعرة المؤولة من تأويل هذه الصفة.

3 – أن الواقع يشهد أن الأشاعرة كانوا في تأويل اليد بالقدرة متطابقين مشابهين للمعتزلة والجهمية بشهادة أبي الحسن الأشعري والترمذي على نحو ما سترى.

أما كون تأويلهم لليد بالقدرة مشابها لقول الجهمية . فقد ذكر الترمذي في سننه أن الجهمية قالوا إن معنى اليد القوة(سنن الترمذي 3 / 42 تعليقاً على حديث رقم ( 662 ) وهذا دليل على موافقة الأشاعرة للجهمية فإنهم يفسرون اليد بالقدرة وانتقدهم البياضي لذلك (إشارات المرام 189) مع أن منهم من يمنع هذا التأويل وربما أتى بتأويل أبعد منه .

وأما من الناحية اللغوية فان اليد لله تعالى وصفت بصفات أخرى كاليمين والكف وجاء الوصف بالاصابع. فهذه الصفات مقترنة يستحيل تجاهلها لأنها بمجموعها تضرب تمسكك يا عبد اللطيف باللغة. وتفيد اثبات اليدين على ما جاءت بالتثنية.

ولقد ذكر الإمام الدارمي أن الفعل إذا عُدِّيَ بالباء كقول القائل : ضربني فلان بيده وكتب بيده ، فإنه يستحيل أن يراد باليد هنا النعمة ، بل لا بد أن تكون اليد التي بها يضرب وبها يكتب.

ثم تناقض المؤولون بعد اتفاقهم مع المعتزلة والشيعة، والماتريدية والأشاعرة ذهبوا إلى نفْس تأويل المعتزلة كالرازي والايجي والجوينى وشُرَّاح الجوهرة (أساس التقديس 162 و 166 ومشكل الحديث 98-99 والمواقف 298 والإرشاد 155 وجوهرة التوحيد 93 الباز الأشهب 44) غير أنهم تناقضوا فيما بينهم: فبعضهم يمنع تأويل صفة اليد والبعض الآخر يؤولها بمعنى النعمة كالماتريدي الذي فسر قوله تعالى { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي نعمتان مبسوطتان وهو عين قول القاضي عبد الجبار(تأويلات أهل السنة تفسير الآية 64 من سورة المائدة وانظر متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار 231).

وأولها بعضهم بمعنى القدرة وبعضهم بمعنى المُلْك وبعضهم بمعنى العناية. ويأتي ابن فورك فيجمع بين كل هذه المتناقضات ويرى أنه لا مانع من تأويل اليد على هذه المعاني جميعها(مشكل الحديث وبيانه 236 ط عالم الكتب) علماً بأن الحافظ ذكر أن ابن فورك كان يرى اليد بمعنى الذات(فتح الباري 13 / 394 مشكل الحديث 323 .) وأورد الرازي أقوالا متناقضة وهي النعمة والقدرة وقد يراد بها صلة الكلام كقوله تعالى { فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ } .

فكيف يدعونا الأشاعرة الى تأويل مختلف عليه بين من استحلوا التأويل. أيريدون أن تقع الفوضى الاعتقادية والتشويش بين الناس؟

وأما البيهقي فقد أثبت الصفة ولم يؤولها، وكان عليه أن يفعل ذلك في باقي الصفات لا في اليد فقط ، فإما أن يؤوّل الكل أو يثبت الكل على الوجه اللائق بالله تعالى كما فعل في صفة اليد. وقال الخطيب البغدادي " ولا نقول أن معنى اليد القدرة "(سير أعلام النبلاء 18 / 283 تذكرة الحفاظ 3/ 1142 ). وهذا رد على من يزعم أنهم اتفقوا على التأويل فان البيهقي وابن حجر يرجحان عدم تأويل هذه الصفة.

الحجة البالغة

ولئن تأويل اليد بالقدرة هو الصحيح فلماذا نجد منع كبار الأئمة لتأويل اليد بالقدرة؟ ألم يكونوا ضالعين باللغة العربية؟ أوجهل البيهقي الاستعمال اللغوي؟ أم جهل الاشعري نفسه هذا المعنى اللغوي؟

وزعم الكوثري أن تأويل اليد بمعنى القدرة استعمال عربي صحيح ، وذهب الجويني إلى جواز حمل اليدين على القدرة(حاشية الكوثري على الأسماء والصفات للبيهقي ص 401 وانظر الإرشاد ص 155 للجويني ). وبه قال القشيري(إتحاف السادة المتقين 2 / 108 .) كما حكاه عنه المرتضى الزبيدي . والكوثري متناقض ، فتارة ينتصر للتأويل وتارة ينتصر للتفويض.

وهذا مذهب التذبذب القائل:

وكل وصف أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها ولم يدر المسكين أنه يروم تذبذبا وتناقضا.

وجاء البياضي فزعم أن السلف أجمعوا على منع تأويل اليـد وتبعهم الأشعري(إشارات المرام للبياضي 191) وهذا تناقض مذهل .

فانظر إلى تضارب أهل النظر والتأويل ، قد صدق فيهم قول الغزالي بأن تأويلات أهل الكلام " تخمينات و ظنيات "(فيصل التفرقة 131) انتهوا بعدها إلى موافقة أقوال الجهمية والمعتزلة .

والجويني صرح بأن التأويل بالقدرة غير سديد لأن الله ذكرخلق آدم بيديه، وهذا فيه تخصيص لآدم عن باقى الخلق ، ولو كان ذلك بمعنى القدرة لبطل التخصيص فانه خلق كل الخلق بقدرته(الإرشا د 156).

البيهقي يثبت صفة اليد لله تعالى على التثنية

خلافا للمجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، وذكر البيهقي أن مجيء صفة اليد بصيغة التثنية { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} يُبطل التأويل بالنعمة والقدرة لأن نعم الله أكثر من أن تحصى(الاعتقاد 88) قال أبو منصور البغدادي " أجمع أهل السنة على أن قدرة الله على المقدورات كلها قدرة واحدة "(الفرق بين الفرق 322 أصول الدين 93).

وهكذا يا عبد اللطيف يعتبر البيهقي تأويل اليد بالقدرة أو النعمة باطلا.
ويبطل الاحتجاج بقوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } لأن دلالة الآية الأولى أصرح من الثانية .

ثم ماذا نقول في قوله صلى الله عليه وسلم " يطوي السماوات بيد ، ثم يطوي الأرض بيده الأخرى " هل نقول أن لله نعمة أخرى أو قدرة أخرى غير نعمته وقدرته الأولى؟!
ثم ماذا نقول بقوله صلى الله عليه وسلم " أن الله أخذ ذرية آدم من ظهره ثم أفاض بهم في كفه " هل هذه الكف كف القدرة أم كف النعمة والثواب(حمله ابن فورك على الملك والقدرة والسلطان (مشكل الحديث 109 و 236 ) ؟!

ولقد استدل ابن بطال بهذه الآية على ابطال قول من جعل اليد لله بمعنى النعمة .

واستدل ابن التين بقول النبي صلى الله عليه وسلم " وبيده الأخرى الميزان " في إبطال هذا التأويل أيضا. حكاه عنه الحافظ أحمد بن حجر (فتح الباري 13 / 393 – 394).
واستدل الحافظ ابن حجر لرواية " يمين الله " في الرد على من جعل اليد لله بمعنى النعمة أو القدرة(فتح الباري 13/ 395 ولا شك أن المؤولين إذا عرضت عليهم تأويل ما لم يعتادونه لاستقبحوا ذلك كتأويل قوله تعالى { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } ولا يمكنهم أن يقبلوا أن إبراهيم كان يضرب الأصنام بنعمته أو قدرته من دون يمينه التي هي يده).

قارنوا تأويل الأشاعرة لليد بتأويلات الشيعة

كل ما أتيتك به يبطل استساغتك وتبريرك لتأويلات الأشاعرة التي ثبت لك الآن مطابقتها لتأويلات الجهمية والمعتزلة والروافض.

ففي كتاب الميزان في تفسير القرآن لمحمد حسين الطباطبائي وجوامع الجامع للطبرسي { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي القدرة "(الميزان في تفسير القرآن 6/33 ط: مؤسسة الأعلمي بيروت جوامع الجامع في تفسير القرآن المجيد 2/431 للفضل بن الحسن الطبرسي ط: دار الأضواء ) .

وفي مجمع البيان للطبرسي الشيعي { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } " يمكن أن يكون المراد بالنعمة ، وقيل إن المراد باليدين : القوة "(مجمع البيان 6/147 مكتبة الحياة بيروت .).

فهل بعد هذا تجد الأشاعرة يا عبد اللطيف في تأويلهم لليد بالقدرة والنعمة على الحق بالرغم مما رأيت من مخالفتهم شيخهم الأشعري وكثير من أصحاب مذهبهم وموافقتهم المعتزلة والجهمية والروافض؟

وأما القراءة الشاذة فاذا أردت أن تستأنس بها فتصير شاذا عن موقف الأشعري وغيره من الأشاعرة شاذا عن أحمد شاذا عن سبيل السلف الصالح الذين لم يؤولوا اليد بالقدرة. بل هو لوثة مصدرها جهم والمعتزلة.

وأنت تعلم أنه ليس كل ما يأتي به الشوكاني وغيره في كتب التفسير مروي بالسند الثابت عن السلف. فأت الينا بالسند المتصل الصحيح عن مجاهد.

وأما ما رواه أحمد والترمذي والأوزاعي والشافعي والسفيانان عن السلف فهو أوثق من رواية تصطادها من كتب لا تعتمد التوثق من الروايات ككتاب الشوكاني.

فان ما ما حكاه هؤلاء وتمسكوا به وحاربوا أهل البدع المؤولة هو الأولى بالاتباع والتمسك لمن كان حريصا على الحق.

ثم ان كنت حريصا على جمع كلمة المسلمين فعليك بمنهج من جمع الله الكلمة عليهم وهو أحمد بن حنبل فان جمع الكلمة مهم ولكن جمع الكلمة لا يتم وأنت تدعونا الى خلاف مذهب السلف فتارة يجيز لنا التأويل وتارة تفضل عليه التفويض وتكثر من جمع الشبهات من هنا وهناك وتتهرب من موقف أحمد بن حنبل الذي حمده عليه السلف والخلف بمن فيهم شيخك الأشعري الذي لم تتفق كلمتك معه.

فالأشعري يعلن تأويل المعتزلة لليد ليقول لك: احذر أن تقول بقولهم.
وأنت تخالفه وتقول لنا لا بأس عليكم أن تقبلوا بما قال به المعتزلة.

فلا تحاول بعد هذه الدعوة الى شق الصف وقبول قول المعتزلة أن تظهر لنا بمظهر الغيور على المسلمين فان كنت حقا تريد وحدتهم فتبرأ من موافقة المعتزلة وتمسك بقول أحمد وأئمة الهدى.

والسلام عليكم

أرجو اعطائي جوابا عما ذكرت لك

وفقك الله للحق واتباع سبيل السلف.