التّصوّف والصّوفيّة

ولما وجد الأحباش كثرة النكير على الصوفية هجموا بدورهم على الصوفية الدجاجلة وفرّقوا بينها وبين الصوفية الصادقة وهذه حيلة (شرعية) – أو قل شيطانية – يراد بها التخلص من الإنكار على التصوف ليعودوا بالناس إلى التصوف مرة أخرى تحت عنوان « تصفية التصوف » مما علق به من خرافة وهي خدعة يراد بها تلميع التصوف وتحسينه وكفى بالتاريخ شاهدًا على ما كان لدور التصوف من تخلف وبدع وشركيات شابه بها الصوفية اليهود والنصارى من تقديس القبور واتخاذها مساجد والقول بوحدة الوجود والفناء الصوفي الهندي القديم.

وقد اعترف الزبيدي بمقام وحدة الوجود عند الصوفية فقال معلقًا على كلام للغزالي: « وفيه تلويح إلى مقام وحدة الوجود عند الصوفية » [إتحاف السادة المتقين 9/498].

التصوف كلمة واحدة تنضوي تحتها مئات الفرق والأحزاب: كل حزب بما لديهم فرحون، ليس التصوف فرقة واحدة. وهذا من أعظم أسباب تفرق المسلمين، وما عندهم من شرك أعظم تفريقًا للمسلمين. وقد بين الله في كتابه أن الشرك مسبب للفرقة فقال: ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ).

والتوحيد هو أعظم أسباب الوحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).

موقف ابن الجوزي من التصوف والصوفية قال ابن الجوزي [اخترت لهم ابنَ الجوزي لأنه معتبر عندهم يلقبونه (منزّه الحنابلة)] « قد لبّس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم: والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل، فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النقل » (تلبيس إبليس 384).

قال: « فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف » (تلبيس 165). وسموا علمهم علم الباطن، وعلم الشريعة: العلم الظاهر » (تلبيس 164).

وأفضل كلمة عن التصوف ما رواه ابن الجوزي عن رويم « لا تشتغل بترّهات الصوفي » (تلبيس 189 مكتوبات السرهني 222 و 296).

يقول ابن الجوزي: « وكأن هؤلاء القوم ابتكروا شريعة سموها بالتصوف وتركوا شريعة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من تلبيس إبليس » (تلبيس إبليس 310). واعتبر أن البدع دخلت من الرهبنة حيث أخذ المتزهدون الصوفية عن الرهبان طريق التقشف. وكان ابن الجوزي يصفهم بالحمقى ويدعو عليهم فيقول طهّر الله الأرض منهم وأعان العلماء علهم فإن أكثر الحمقى معهم [صيد الخاطر 225 – 226].

وهذا يؤيد قول الشافعي: « لو أن رجلاً تصوف أول النهار، لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق، وما لزم أحد الصوفية أريعين يومًا فعاد إليه عقله أبدًا » وروى عنه قوله: « أُسّسَ التصوّفُ على الكسل » (تلبيس إبليس 320 و371). قال: « ولما قلّ علم الصوفية بالشرع فصدر منهم من الأفعال ما لا يحل.. وكان الصالح منهم نادرًا، ذمهم خلق من العلماء وعابوهم حتى عابهم مشايخنا » ثم روى عن وكيع حدثنا سفيان يقول سمعت عاصمًا يقول: « ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث » (تلبيس إبليس 371 – 372).

ثم وصفهم ابن الجوزي بأنهم زنادقة وقال: « ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة فجاءوا بوضع أهل الخلاعة » (تلبيس إبليس 374). وروى عن شيخه ابن عقيل قوله: « نصيحتي إلى إخواني أن لا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين » (تلبيس إبليس 375).

وذكر أن وسوسة الشيطان بلغت بالصوفية حتى صار الواحد منهم يتخايل له وسوسة فيقول: « حدثني قلبي عن ربي » وحتى صار أبو يزيد البسطامي يقول: « مساكين [أي أهل الحديث] أخذوا علمهم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت » (تلبيس إبليس 321 – 322).

قال ابن الجوزي: « وجاء عبد الكريم بن هوازن القشيري وصنف لهم كتاب الرسالة فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء [أي في الله] والقبض والبسط والجمع والتفرقة والصحو والمحو والسُّكْر والشرب والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والحقيقة والشريعة وغير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء » (تلبيس إبليس 165).

ويدعي الأحباش أن أبا بكر أو الصوفية. ولكن لم يتكرموا بإخبارنا على أي طريقة كان: أكان رفاعيًّا أم قادريًّا. (مجلة منار الهدى 16/20). ونترك الرد على ذلك من ابن الجوزي حيث قال: « وجاء أبو نعيم الأصفهاني فصنف لهم [للصوفية] كتاب الحلية وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة لوم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وسادات الصحابة رضي الله عنهم » [تلبيس 165 فماذا يقول ابن الجوزي في مبتدعة عصرنا كالغماري الذي كتب رسالة « حسن التلطف في وجوب سلوك طريق التصوف »؟ فأوجب على المسلمين ما لم يأذن به الله؟].

ويزعمون أن التصوف صفاء المعاملة (مجلة منار الهدى 16/20). وأي صفاء هذا؟ نحن لا نرى لهذا الصفاء في معاملة الأحباش أثرًا. فالناس لا يرون منهم إلا الجفاء والتطاول وشتم أعراض المسلمين وتكفيرهم. وزعم السبكي أن الصوفي من لزم الصدق مع الحق والخُلُق مع الخَلْق [طبقات السبكي 10/295]. وهكذا يأتونك بصفات أمر بها الإسلام ويجعلونها ميزة التصوف ولكن الإسلام أمر بها قبل أن يوجد التصوف ولم يجعلها تحت اسم التصوف.

ماذا التصوف سؤال نطرحه على كل منصف يريد الحق ويحذر الهوى والتحيز؟ إذا قيل إن التصوف لترقيق القلوب وصفائها: ألم يكن في دين الإسلام ما يرقق القلب وهو الذي جاء قبل التصوف. ورقّت به قلوب الصحابة ومن بعدهم؟ أم أن في التصوف ميزة في ترقيق القلوب ووصلها بربها لا توجد في الإسلام؟ لا أعتقد مسلمًا عاقلاً يقول ذلك. وإذن؛ فلماذا الحرص على هذا التصوف إذا كان الإسلام يغني عنه لا سيما وأنه خليط من البدع ومخلفات المِلَل والديانات الفلسفية القديمة؟ لنكن صادقين مع أنفسنا ومع ربنا: هل في الإسلام ما يغني عن التصوف أم لا؟ قد جاءنا العلم من ربنا: كتاب وسنة وهدي سلف صالح: فلماذا نختلف ونتفرق من بعد ما جاءنا العلم بغيًا بيننا؟ ونقع فيما وقع به من قبلنا كما حكى الله عنهم ( فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ).

فما هو الجديد الذي أتت به هذه الطرق؟ أهو شيء لم يأت به الإسلام؟ إن هذه الطرق لم تأت بجديد لم يفعله الرسول صلى اله عليه وسلم أو يدل عليه. بل إن ما تفعله وتشرعه للناس هو من أنواع البدع مخالف لصراط الله المستقيم كما قال: ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) قال مجاهد: « السبل: البدع والشبهات » [فتح المبين لابن حجر الهيتمي 109]. فهذه الطرق هي السُبُل، قد ابتدعت في دين الله أذكارًا وأورادًا وطقوسًا ما أنزل الله بها من سلطان. لباس الصوفية وانتقد ابن الجوزي هذه المرقعة التي تقلدها الصوفية وجعلوها علامة على التصوف وجعلوا لها إسنادًا ينتهي إلى علي ومنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: « وقرروا أن هذه المرقعة لا تُلبَس إلا من يد شيخ وجعلوا لها إسنادًا متصلاً كله كذب ومحال » (تلبيس إبليس 191). قلت: بل شبكة صيد. فقد قال النضر بن شميل لبعض الصوفية: « تبيع جبتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد »؟ (تلبيس إبليس 198).

وقال بأن هذا النوع من اللباس صار لباس شهرة. ثم يقول بعد ذلك: « فانظر إلى الشيطان كيف يتلاعب بهؤلاء » (تلبيس إبليس 202). قال: « ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لبس الصوف. قال: فأما لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات، لم يكن لبسه شهرة عند العرب [بمعنى لا يلبسه كشعار ديني مثل إزار ورداء الحج].

وأما ما يروى في فضل لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء » ثم ذكر أن فرقد السنجي جاء إلى حماد بن أبي سليمان بالبصرة وعليه ثوب صوف فقال له: « ضع عنك نصرانيتك هذه » (تلبيس إبليس 194-196). وجاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف فقال له أبو العالية: « إنما هذه ثياب الرهبان ».

إذن فلا يحاولن أحد إرجاع أصل التصوف إلى لبس الصوف فإنه سنة نصرانية. ويصف ابن الجوزي الصوفية بأنهم كانوا يطلبون المال من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس (آكل أموال الناس ظلماً) « وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ووقفوا عليها الأموال الخبيثة » (تلبيس إبليس) 175) قلت: ما أشبه اليوم بالأمس فصوفية اليوم يتملقون الظلمة بل والكفار ويصفونهم بأعذب الأوصاف بينما يسلقون علماء المسلمين بألسنة حداد. بل حكى ابن الجوزي انتشار صحبة الصغار والوقوع في غرامهم كما قال: « وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس التي يصيد بها الصوفية حتى روى عن يوسف بن الحسين الرازي أن آفة الصوفية في صحبة الأحداث » (تلبيس إبليس 276).

موقف أحمد من الحارث المحاسبي وروى ابن الجوزي أن أحمد بن حنبل سمع كلام الحارث المحاسبي فقال لصاحب له: « لا أرى لك أن تجالسهم. وسئل أبو زرعة عن الحارث المحاسبي فقال إياك وكتبه هذه الكتب كتب بدع وضلالات… قال: وتكلم الحارث بن المحاسبي في شيء من الكلام والصفات فهجره أحمد بن حنبل فاختفى إلى أن مات فيها، ولم يُصَلّ عليه إلا أربع أنفس » وقاله الذهبي والخطيب [تلبيس إبليس 167 مناقب أحمد لابن الجوزي 186 سير أعلام النبلاء 11/327 تاريخ بغداد 8/215-216].

وهذا يبطل دعوى الأحباش أن أحمد سمع كلامه بعد ذلك فتأثر لكلامه وبكى. واحتج الأحباش بأن أحمد لقي صوفيًّا جاءه فقال له: « ماذا تريد يا صوفي » قالوا: وهذا دليل على ارتضائه طريق التصوف. انظر كيف يتعلقون بالقشة! وهذا ليس بحجة كما لو قال أحمد للرافضي (يا شيعي) لا يكون ذلك دليلاً على مدح التشيع.

قال ابن الجوزي: « وأما كلام المحاسبي إن الله نهى عباده عن جمع المال وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أمته عن جمع المال: خطأ يدل على الجهل بالعلم » (تلبيس إبليس 179). قال: « وكان الجنيد يتستر بالفقه على مذهب أبي ثور » (تلبيس إبليس 173). حكايات الصوفية يعجب من حكايات الصوفية كقول أبي يزيد فيما رواه عنه الغزالي: « دعوت نفسي إلى الله فجمحت فعزمت عليها أن لا أشرب الماء ولا أذوق النوم سنة: فوفت لي بذلك » وقال معلقًا: « فهذه حالة مذمومة لا يستحسنها إلا الجهال » (تلبيس إبليس 210 وص217).

ويزداد تعجب ابن الجوزي مرات ومرات من عجائب الآراء وقصص القوم التي يوردها الغزالي عن الصوفية ويقول: « عجبت لأبي حامد الغزالي كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم…» (تلبيس إبليس 213).

موقف ابن الجوزي من ضرب الصوفية بالدفوف قال: « وأما الضرب الدف فقد كان جماعة من التابعين يكسرون الدفوف وما كانت هكذا. فكيف لو رأوا هذه » [فكيف لو رأوا الدرامز الغربي الذي يستعمله الأحباش وغيرهم؟] قال: « وقد ادّعى قوم منهم أن هذا السماع قربة إلى الله فقال الجنيد: تنزل رحمة الله على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن: عند الأكل وعند المذاكرة وعند السماع » (تلبيس إبليس 249). قال ابن الجوزي: « وهذا كفر، لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرًا » (تلبيس إبليس 250). قال: « وكان الحسن البصري يقول: ليس الدف من سنة المرسلين في شيء ».

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: « من ذهب به إلى الصوفية فهو خطأ في التأويل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت والذكر في الناس ».

قال ابن الجوزي: « قال أحمد أرجو أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل ».

قال ابن الجوزي: « وكل ما احتجوا به لا يجوز أن يستدل به على جواز هذا الغناء … وقد احتج لهم أقوام مفتونون بحب التصوف بم لا حجة فيه فمنهم أو نعيم الأصفهاني فإنه قال: كان البراء بن مالك يميل إلى السماع ويستلذ بالترنم » (انظر تلبيس إبليس 239). وذكر من احتجاجاتهم الاحتجاج على جواز الغناء بسماع النبي صلى الله عليه وسلم للشعر (تلبيس 240).

وروى عن شيخه ابن عقيل أنه قال: « أن مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إلى الله بالأناشيد فقال: لا كرامة لهذا القائل. إنما تحدي القلوب بوعد الله في القرآن ووعيده وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم : ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا )... وأنتم زنادقة في زي عُبّاد » (تلبيس إبليس 246).

قال ابن الجوزي: « واعلم أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب: وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع » (تلبيس إبليس 252). قال ابن الجوزي: « وقد نشب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن ورقّت قلوبهم عنده بما لا ترق عند القرآن وما ذاك إلا لتمكن هوىً » (تلبيس إبليس 247). بل بلغت بهم الوقاحة أن صاروا يتقربون إلى الله بالرقص الذي وصفه ابن الجوزي بأنه تشبه بالنساء، وروى عن أبي بن الكاتب أن ابن بنان كان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له.

ثم تساءل: « أي معنى في الرقص إلا اللعب الذي يليق بالأطفال ». قال: « والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة » (تلبيس إبليس 257 – 258.

نموذج من أذكار الصوفية « اللهم أسألك بالجرة التي هي في جوهر الأمر ومدة السر وحبل الإرادة وطريق التدوير ومنهج الغيب وسلسلة الهز وسبيل العز، جرة جيم جوهر جمع مجموع جوامع جميع مجامع جمعيات الجلال والجمال والجلالات والجلجلة والجلوات والجوليات والجولات والجهريات والجريان والجاريات والجارات والمجرورات » [قلادة الجواهر 341 – 344] « اللهم أسألك بالباء المعطوف، وبباء البهاء، بتاء التأليف، بثاء الثناء، بجيم الجلالة، بحاء الحياء، بخاء الخوف، بدال الدلالة، بذال الذكر، بزاي الزلفى، بسين السناء، بشين الشكر، بصاد الصفاء، بضاد الضمير، بظاء الظلمة » [قلادة الجواهر 251 – 258 والمعارف المحمدية 102].

أهكذا علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء؟ هل علمنا أن نتوسل إلى الله بالظلمة؟ (حقًّا إنهم لفي ظلمة).

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة شطحة صوفية وسئل عن رجل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ما حكم ذلك؟ فقال: بُشراه بأنه لا بد أن يرى النبي حقيقة ولو عند الموت [شريط (3) 744 وجه (2) وقال به تلميذه سليم علوان شريط (3) عداد 253].

نعم هذه بشرى برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ولكن متى وأين وهل رآه حقًّا؟ إذا كان المقصود الرؤية في الدنيا فقد رأى كثير من الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته في المنام، ولكن لم يجتمع أحد منهم به في اليقظة ولو حصل لهم ذلك لما كتموه، وإذا لم يظهر في اليقظة على أحب الناس إليه كأبي بكر وعمر وابنته فاطمة وعائشة، فإما أن يكون أخلف بوعده أن يظهر في اليقظة على كل من يراه في المنام: أو أن يكون الخلل في أفهام دعاة الخرافة، فالصحابة رووا هذا الحديث ولم يفهموا منه ما فهمه هؤلاء.

وقول الحبشي (ولو عند الموت) واضح في سوء فهمه أن الرؤية تكون في الدنيا قبل الموت وهذه فتوى شاذة يلزم منها لوازم فاسدة مثل أن يصير من رأى النبي يقظة صحابيًّا، ويلزم منها بقاء الصحبة إلى يوم القيامة كما بين الحافظ ذلك في الفتح حيث حكى ادعاء أقوام من الصوفية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة واعتبر ذلك مشكلاً عظيمًا [فتح الباري 12/385].

- فقد نقل الحافظ إنكار القاضي ابن العربي تلميذ أبي حامد الغزالي على من قال بذلك، قائلاً: « شذ بعض الصالحين فزعم أنها – أي الرؤية – تقع بعيني الرأس حقيقة. وقال القرطبي صاحب المفهم: « وهذا القول يُدرَكُ فساده بأوائل العقول. ويلزم من ذلك :

ـ أن يخلو قبره صلى الله عليه وسلم من جسده. وهذا مقبول عندهم. فقد ذكر السيوطي عن ابن المسيب أنه قال: « ما مكث نبي في قبره أكثر من أربعين يومًا ». وعن النبي  أنه قال: « أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث » [الحاوي للفتاوي 2/264].

- وأن يزار مجرد القبر ويسلم على غائب. قال: وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل [فتح الباري 12/384-385 وانظر إتحاف السادة المتقين 10/429]. وذكر المناوي تنبيهًا من الصوفية أنهم قالوا: « إن الرؤية الصحيحة أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فإن رآها بغيرها كطويل أو قصير أو شيخ أو شديد السمرة لم يكن رآه، وحصول الجزم في نفس الرائي بأنه رأى النبي غير حجة » [إتحاف السادة المتقين 10/429].

قلت: لا يبدو أن الصوفية قد التزموا ما نبهوا إليه. ويضاف إلى ذلك:

- أن يكون من يراه في الدنيا أفضل من التابعين فقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم مع أن أحدًا منهم لم يقل إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة. بل هذا شيء لم يحصل للصحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم وليس ذلك منقولاً عنهم في شيء من الروايات الصحيحة.

- وقد اعترف بذلك تلميذه نبيل الشريف فقال بأن: « أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله وهو أفضل الصحابة لم يقل يومًا أنا رأيت رسول الله يقظة ولا أحد من الصحابة. وكذلك أنس بن مالك الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين « ما كانت تمر علي ليلة بعد وفاة رسول الله إلا وأراه في المنام. لم يقل في اليقظة » [مجالس الهدى 6/694].

غير أنه تناقض وزعم أن رؤية اليقظة نادرة وكان عليه أن يقول مستحيل ما دام أفاضل الصحابة لم يروه. وزاد تناقضه حين زعم أن من رآه في المنام « لا بدّ » أن يراه في اليقظة قبل الموت وهو على فراش الموت يرى النبي صلى الله عليه وسلم: إما أن يأتي الرسول إليه وإما أن يكشف الله لهذا الإنسان كشفًا فيجعل هذه الحواجز التي تحجز بينه وبين قبر رسول الله من هنا مثلاً إلى المدينة كأنها الزجاج فيرى النبي كأنه بقربه [(مجالس الهدى 6/915 – 925)].

- أن هذا فتح بابًا من الكذب فصار الصوفية يدعون رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، حتى صار عدم رؤيته يقظة عندهم علامة على نقص في الولاية، فلذلك يتسارعون بالكذب والمنامات. وقد أنكر ابن الجوزي على أبي الفتح الطوسي الذي ادعى أنه كلما أشكل عليه شيء رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة وعد هذا من منكراته [حكاه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 12/196].

ووصف ابنُ الجوزي أحمد الغزالي (أخا أبي حامد) أنه كان آية من آيات الله في الكذب حيث كان يزعم أنه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة لا في النوم وأنه كلما أشكل عليه أمر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة لا في المنام [كتاب القصاص والمذكرين 156 ط: دار أمية].

- بل زعم الرفاعية أن الشيخ أحمد الأزرق ابن الشيخ منصور كان يصافح النبي صلى الله عليه وسلم خمس مرات [سواد العينين في مناقب أبي العلمين 53 هذبه جمال صقر الحبشي وهذا التهذيب مؤامرة يراد بها حذف كثير من الخرافات والشركيات].

- وقد صار للطرق تراخيص نبوية فزعم بعضهم أنه اجتمع بالنبي وأخذ منه ترخيصًا لطريقته ورسم له منهاجًا بأورادها وأحزابها. وزعم آخر أنه يجتمع به وربما سأله عن حديث في البخاري فيقول (لم أقله) ويسأله عن الحديث الموضوع فيقول (أنا قلتُ به) كما حكاه العجلوني عن ابن عربي في الفتوحات قال: « رب حديث يكون صحيحًا ثم يحصل للمكاشف علم أنه غير صحيح » [كشف الخفاء ص 8].

وإذا كان الحكم على الحديث يصير مباشرة من قول النبي عند الاجتماع به يقظة: فما فائدة كتاب الجرح والتعديل ولماذا يفني نقاد الحديث أعمارهم لجمع الحديث ولماذا يسافر البخاري ومسلم مئات آلاف الكيلومترات لجمع الحديث ومتابعة أحوال رجاله ورواته؟ ولم يلجأ للاتصال بأسياد الصوفية؟ هل هذا إلا تضييع للوقت. عليكم بالصوفية إن كنتم تريدون معرفة الصحيح والضعيف والموضوع. ولكن الذي يكذب هذا الأمر هو ما تجده في كتب الصوفية من آلاف الأحاديث الموضوعة والضعيفة.

ولقد كان الغزالي من أبرز المتحدثين عن الإلهام والمكاشفة بين الله وبين الأولياء ويعتبر كتابه إحياء علوم الدين خلاصة التصوفة ولبه وقمته ومع كشوفاته فقد امتلأ كتابه هذا بالأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن السبكي جمع له من هذه الموضوعات ما يقارب السبعة وثلاثين صفحة في كتابه طبقات الشافعية.

- واشتط بعضهم حتى زعم أنه لا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم لحظة واحدة كما حكي عن أبي العباس المرسي أنه قال: « والله لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين » [طبقات الشعراني 2: 14 قلادة الجواهر للصيادي الرفاعي 281 وانظر كتاب كشف الأسرار لتنوير الأفكار لمصطفى نجا ص 103].

ويذكر السيوطي أنه كانت لأبي العباس المرسي وصلة بالنبي دائمة. إذا سلم على النبي رد السلام عليه ويجاوبه إذا تحدث معه [الحاوي للفتاوي 2/260].

- وقد يستفتونه فيفتيهم بما ثبت عنه خلافه في الروايات الصحيحة.

فقد زعم النابلسي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن المطلقة بالثلاث في المجلس الواحد كيف حكمه عندك يا رسول الله؟ فقال: « تقع ثلاثًا » [جلاء العينين في محاكمة الأحمدَيْن 236]! مع أن الذي صح عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتسبها واحدة [رواه مسلم (1472) وأبو داود (2199)].

فمن نصدق: أنصدق ابن عباس أم نصدق صاحب تفسير الأحلام النابلسي المعجب بابن الفارض الشارح لتأئيته [تائية ابن الفارض يتغزل فيها بالله ويخاطبه بضمير المؤنث] وكذلك ابن عربي المصرح بعقيدة وحدة الوجود؟! (فائدة) قال ابن الحاج في المدخل (ص 302-304) : « ليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان وهو أن من يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه ينتبه من نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنام دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قواعد السلف الصالح ». وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: « لو أخبر صادق عن النبي صلى الله عليه وسلم في النوم بحكم شرعي مخالف لما تقرر في الشريعة لم نعتمده » [طرح التثريب 8/215 شرح حديث رؤيا الرجل الصالح].

وقال السخاوي: « لم يصل إلينا ذلك – أي وقع الرؤية يقظة عن أحد من الصحابة ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه صلى الله عليه وسلم حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح وبيتها مجاور لضريحه الشريف ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه ».

وذكر السخاوي أن دعوى ذلك إنما تنقل عن المتصوفة وأن من مصنفاتها المحتوية على عباراتها في ذلك (توثيق عرى الإسلام للبارزي) و(بهجة النفوس) لأبي محمد عبد الله بن أبي جمرة و(روض الرياحين) لليافعي.

و(رسالة الشيخ صفي الدين بن أبي منصور) نقله القسطلاني عن السخاوي في المواهب اللدنية (5/295).

وذكر البدر بن حسن الأهدل في مسألة الرؤية له أن من تواتر الأخبار عنهم من المتصوفة بدعوى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته في اليقظة إنما يقع لهم ذلك في بعض غيبة حس وغموض طرف لورود حال لا تكاد تضبطها العبارة وأن رواة تلك الأخبار من المتصوفة يغلطون فيها كثيرًا قلما تجد رواية متصلة صحيحة عمن يوثق به، وأما من لا يوثق به فقد يكذب وقد يرى منامًا أو في غيبة حس فيظنه يقظة. وقد يرى خيالاً أو نورًا فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان: فيجب التحرز في هذا الباب.

وجزم البدر بن حسن الأهدل بأن القول برؤيته صلى الله عليه وسلم بعد موته بعين الرأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول لاستلزامه خروجه من قبره، ومشيه في الأسواق ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له وخلو قبره عن جسده الشريف فلا يبقى منه فيه شيء بحيث يزار مجرد القبر ويسلم على غائب » [ذكره القسطلاني في المواهب اللدنية 5/298 – 299].

وقد استحسن ملا علي قاري في جمع الوسائل شرح الشمائل للترمذي (2/238) كلامه ثم قال: « إنه – أي ما ادعاء المتصوفة من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة بعد موته – لو كان له حقيقة لكان يجب العمل بما سمعوه منه صلى الله عليه وسلم من أمر ونهي وإثبات ونفي من المعلوم أنه لا يجوز ذلك إجماعًا كما لا يجوز بما يقع حال المنام ولو كان الرائي من أكابر الأنام.

وقد صرح المازري وغيره بأن من رآه بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة لا المرئية » انتهى كلام علي قاري: وفيه فائدة: حكايته الإجماع على عدم جواز العمل بما يدعي من يزعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة أنه سمعه منه من أمر أو نهي أو إثبات أو نفي. وفي حكايته الإجماع على ذلك: الرد على قول الزرقاني في شرح المواهب اللدنية 7/29 « لو رآه يقظة – أي بعد موته صلى الله عليه وسلم- وأمره بشيء وجب عليه العمل به لنفسه ولا يعد صحابيًّا وينبغي أن يجب على من صدقه العمل به. قاله شيخنا ».

كما أن في حكايته الإجماع على ذلك الرد على دعوى السيوطي تلقي تصحيح الأحاديث التي ضعفها المحدثون عن النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وعلى دعواه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: « يا شيخ الحديث وأنه أخبره بأنه من أهل الجنة » من غير عذاب يسبق. فائدة حول رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام وقد أساء بعضهم فهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : « من رآني فقد رآني حقًّا فإن الشيطان لا يتمثل بي » ورواية « لا يستطيع أن يتمثل بي » فإنهم يظنون أن أي شيء يرونه في المنام يقول لهم إني رسول الله أنه لا بد أن يكون كذلك وهذا ليس بلازم.

فإن الشيطان ممنوع من التمثل بشخص النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ليس ممنوعًا أن يقول أنا رسول الله ويكون غير متمثل بصورة أخرى. ومعلوم أن الناس لا يميزون ذلك لأنهم لم يروه. ولذلك كان السلف الصالح كابن سيرين وابن عباس إذا جاءهم رجل وقال رأيت رسول الله في المنام يُدنونه منهم ويقولون: « صف لنا الذي رأيتَه » فإن كان الوصف مطابقًا لما علموه من صفة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: « رأيتَه » وإن لم يكن كذلك قالوا: « لم تره » [رواهما الحافظ في الفتح بإسنادَيْن جيدَيْنِ 12: 384].

ولو كان الأمر على إطلاقه كما يظنون فما يكون من تأكد ابن عباس وابن سيرين من دعوى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وجه ولا ضرورة! قال الحافظ: « وقوله (لا يستطيع أن يتمثل بي) يشير إلى أن الله تعالى وإن أمكن الشيطان من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يُمَكّنه من التصور في صورة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: « إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها »(2).

وقصة الشيخ عبد القادر مع الشيطان مشهورة حيث قال له: « أنا ربك » قد أبحتك من فرائضي فقال له الشيخ: « إخسأ يا عدو الله » فقال الشيطان: « غلبتني بفقهك يا عبد القادر » فسئل عن كيفية وقوفه على خدعة الشيطان فقال: إن الشيطان قال: أنا ربك ولم يجرؤ على أن يقول (أنا الله) وزعم أنه قد أحلني من فرائض العبادات، والله لم يحلَّ ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم فكيف يحلها لي؟ فإذا كان يمكن للشيطان أن يقول أنا ربك ألا يمكنه أن يقول: « أنا النبي » من غير أن يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم بالضرورة. كل الطرق تؤدي إلى الطاغوت وكل طريقة تدعي أنها هي أحسن الطرق.

فقد قال [الحاوي للفتاوي 2 / 135] السيوطي: « ولهذا كانت الطريق الشاذلية أحسن طرق التصوف ». بل تجد كل فرقة تحذر من اتباع الطريقة الأخرى كما زعم النقشبنديون أن من لم يدخل طريقتهم بأنه على خطر من دينه [نور الهداية والعرفان في سر الرابطة وختم الخواجكان 63].