إنكار العلو مناف للفطرة

إنكار العلوِّ مناف للفطرة البشرية التي تجعل الناس يتوجهون بالدعاء إليه. قال ابن قتيبة رحمه الله: « ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى وهو بالمكان الرفيع وأن الأيدي ترتفع بالدعاء إليه » [تأويل مختلف الحديث ص 183].

قال ابن عبد البر تعليقاً على حديث الجارية: « ولم يزل المسلمون في كل زمن ومكان إذا همهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله عز وجل » [التمهيد 22/81 و7/134].

وهذه الحقيقة مربكة لنفاة علو الله. فقد قعد الجويني في مجلس وعظه يورد الأدلة على نفي علو الله، فقال له أبو جعفر الهمداني: « أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها: ما قال أحد: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ هل عندك دواء لدفع هذه الضرورة؟ فصرخ الجويني "حيّرني الهمداني"» [سير أعلام النبلاء 18/475 والعلو (مختصره ص 276) وقد شك السبكي في صحة نسبة هذه القصة إلى الجويني لأنها تكشف إكراه الجويني وأمثاله فِطَرَهم على ما يخالفها من اعتقاد علو الله وفوقيته].

ولهذا تصدر عن منكري العلو عبارات تتضمن إثبات علو الله، فقد قال أحد الأشاعرة الرفاعيين: « كان عز الدين الصياد مكث طيلة حياته لم يرفع طرفه إلى السماء حياءً من الله تعالى » [خزانة الإمداد في سيرة بني الصياد 24 و 36 وهو أشعري وأحد كبار الرفاعية وانظر كتاب "حالة أهل الحقيقة مع الله" للشيخ أحمد الرفاعي 134 – 135 وكتاب "روضة الناظرين" للوتري 90 وقال بمثل ذلك الهيتمي في تطهير الجنان عن التفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان ص 2].

تُرى هل كان استحياؤه من البركات المخزونة في السماء بزعمهم أم كان من الملائكة الساكنين فيها؟ أم كان حياؤه من الله الذي في السماء؟ ـ وقال السبكي: « آخر كلمة تكلم بها أبو محمد المزني أن قبض على لحيته ورفع يده اليمنى إلى السماء » [طبقات السبكي 3/19 محققة]. ـ وقال الغزالي حاكياً عن ابتهالات الأولياء: « فإذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم وامتدت إليه أعناقهم وشخصت نحو السماء ». وقد تنبه الزبيدي إلى أن في هذا إثباتاً لعلو الله فعلق قائلاً: « الذي هو قبلة الدعاء » [إتحاف السادة المتقين 4/453].

هل الشريعة تخدع العوام؟ ولما أحس التفتازاني بانعدام الأدلة الشرعية على نفي العلو وإنما العكس قال: « فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة [يعني نفي علو الله على عرشه وفوقيته] فما بل الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد تصريح بنفي ذلك؟ أجاب التفتازاني بأنه: « لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة: كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهراً في التشبيه، وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث » [شرح المقاصد 2/50].

فأقوال هؤلاء موافقة لأقوال الباطنيين؟ وكيف يكون هؤلاء ممثلين للسواد الأعظم وقد اعترفوا بأن السواد الأعظم يعتقدون علو الله وأن الله وصف نفسه بصفات التشبيه ليقربهم بالتشبيه إلى التوحيد، وأن الأنبياء جاءت والكتب نزلت على خلاف الحق وجاءت بالذب لمصلحة دعوة العوام؟ يخافون ربهم من فوقهم أما قوله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم)[النّحل 50]، فالذهاب فيه إلى التأويل والمجاز مستحيل، لأن معنى خوف الملائكة من قوة الله وقهره متحقق تحققاً كاملاً في قوله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ ) دون الحاجة لذكر الظرف ( مِنْ فَوْقِهِم ) فتعيّن أن الفوقية هنا فوقية ذات. وقال تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه ) [فاطر 10]، فماذا يعني الصعود والارتفاع. ولماذا تصعد الملائكة بأعمال العباد إن لم يكن صعودهم بها إلى الله؟ إن هذا الذي جعل الأشاعرة وغيرهم يزعمون أن المقصود بارتفاع الأعمال إنما هو مجاز عن تفاوتها في المراتب ارتفاعاً وانخفاضاً [الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز 96 – 97].

إذ لما جعلوا علو الله علو المنزلة اضطروا إلى التزام أن ارتفاع الأعمال ارتفاع في المنزلة أيضاً. وهو من باب ترقيع التحريف بتحريف آخر. ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه ) [المعارج 4]، فماذا يعني عروج الملائكة إليه؟ ووقوفهم عنده صفّاً كما قال تعالى : « ألا تصُفّون كما تصُفّ الملائكة عند ربها » [رواه مسلم (430) وأبو داود (661)]؟

أكلّ هذا لا يفيد عندكم معنى؟ أم أن قلوبكم استمرأت التعطيل وأشربت التحريف وصارت في أكنّة من فَهْمِ آيات الله؟ أم أنه يعني أن منزلة الملائكة تعرج لتصير لمنزلة علو مكانة الله؟ الظاهر والباطن قال تعالى: ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) [الحديد 3]، ومعنى «الظاهر» عند الحبشي أي أن كل شيء يدل عليه عقلاً. وهو قول بلا علم بل تحريف متعمد. فإن كان معنى الظاهر: ما يدل كل شيء عليه عقلاً فهذا القمر كل شيء يدل عليه عقلاً فهل نسميه الظاهر أيضاً.

وأما الباطن عنده فهو بمعنى أن العقول لا تتصوره ولا تتوهمه فهو باطن بهذا المعنى، وهذا تحريف وتلاعب بكلام الله ورسوله وإلحاد في صفاته. وهذه الصفة لم يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تفسير بل فسرها تفسيراً هو أولى بالأخذ من غيره. فنحن نتمسك بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لصفة (الظاهر) حيث قال: « أنت الظاهر فليس فوقك شيء ». ولم يقل أنت الظاهر فلا يدل العقل علي شيء كدلاته عليك. ومن عادة الحبشي القول: « وخير ما فسرته بالوارد ».

فانظر إلى تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية ولا تتجاهله هداك الله. فإنه إذا عُرف التفسير من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى تفسيرك المقرمط. فهذه الصفة مع تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها، نصٌّ في إثبات علو الله تعالى، ولأن الظاهر في اللغة هو العالي كما قال تعالى: ( وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُون ) [الزّخرف 33]، أي يعلون ويرتفعون. وقال: ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوه ) [الكهف 97]، أي يعلوه. قال الطبري: « "الظاهر" أي العالي على كل شيء دونه وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه » [تفسير الطبري المجلد 11/27/124]. وقال ابن الأثير: « أي الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه » [جامع الأصول 3/164].

وأما الباطن فعلى معنى أنه لا يدانيه أحد من خلقه، غير أن البيهقي روى أن الباطن معناه أنه مع ظهوره وعلوّه فإنه الباطن القريب من عباده العالم بهم، المطلع على سرهم وعلنهم وإن كان فوق الجميع. وهو فوق عرشه [الأسماء والصفات للبيهقي 2/173]. وكما قال ابن مسعود: « والله فوق العرش ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم » [رواه البخاري في خلق أفعال العباد 43 والبيهقي في الأسماء 2/145 بسند جيد].

وعلى كلٍّ فليس تفسير أحد بحجة بعد تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الآية. وما أفسد ما يقوله هؤلاء بأن اعتقاد علو لله في السماء منقوض بوضع الجبهة على الأرض عند السجود، فإن واضع الجبهة إنما قصدُه الخضوع لِمَن فوقه بالذل والخضوع لا أن يميل إليه برأسه إذ هو تحته، بل هذا لا يخطر في قلب ساجد. نعم، سُمِع من بشر المريسي أمير المعتزلة وأول منكري علوّ الله أنه كان يقول: « سبحان ربي الأسفل » وهو سلف منكري علوّ الله اليوم. وما أفسد قولهم: ولو لم يكن الله متصفاً بالعلو لكان متصفاً بضده وهو السفول، لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده. وهذه القاعدة معتمد الأشاعرة والماتريدية في ردودهم على المعتزلة والجهمية [انظر شرح العقائد التفتازانية 36].

كقول الشيخ ملا علي قاري: « لو نفيت الحياة يلزم الموت، ولو نفيت القدرة لزم العجز » [الفقه الأكبر بشرح القاري 19].