طريقة الحبشي في إباحة الحيلة على الله

لقد جعل الإسلامُ من أصوله الهامة مبدأ سد الذرائع، وذلك لتجنيب الناس ليس الحرام فقط، وإنما قطعهم أيضًا عن الوسائل المؤدية إليه ليسدّ الطريق إلى الفساد بكل ممكن، غير أن ثلة من المحتالين يأبون إلا فتح الطريق إليها بحيلهم التي يظنونها تنطلي على عالِم الغيب والشهادة. إنما الأعمال بالنيات - قال ابن بطال في قوله صلى الله عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات »: « والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحايل من أقوى الأدلة » [فتح الباري 12/326].

ومن المقرر عند أهل العلم أن كل حيلة يتوصل بها إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام. كما بيّن الحافظ ذلك. وأن العمدة في البيوع والمعاملات على المقاصد والمعاني لا على الألفاظ والمباني.

- وذكر الحافظ أن مذهب الشافعي كراهية تعاطي الحيل وأكد المحققون في مذهبه أن كراهيته كراهة تحريم ويأثم بقصده، ويدل عليه قوله: « وإنما لكل امرئ ما نوى » فمن نوى بعقد البيع الربا: وقع في الربا ولا يخلصه من الإثم صورة البيع.

ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللاً ودخل في الوعيد على ذلك باللعن ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح، وكل شيء قُصِد به تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرّم الله كان إثمًا، ولا فرق في حصول الإثم في التحليل على الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له. وذكر ما نقله النسفي الحنفي في الكافي عن محمد بن الحسن أنه قال: « ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحِيَل الموصلة إلى إبطال الحق » [فتح الباري 12/328 – 329].

موقف أهل العلم من الحيل في الدين - وقد نفى ابن بطة أن يقال لمن يفتي بالحِيَل « مفتي أو فقيه » لأن الفتوى عند أهل العلم تعليم الحق والدلالة عليه، وأما من علّم الحيلة والمماكرة في دين الله والخديعة لمن يعلم خائنة الأعيُن وما تخفي الصدور حتى يُخرج الباطل في صورة الحق: فلا يقال له مفتي ... وقد علم المؤمنون والعلماء ... أن الحيلة على الله وفي دين الله لا تجوز ... ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوه ) [الآية 235 من سورة البقرة] ( قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ) [الآية 29 من سورة آل عمران] ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه ) [الآية 16 من سورة ق].

- قال ابن بطة: « وأصل الحيلة في شريعة الإسلام خديعة، والخديعة نفاق، والنفاق عند الله عز وجل أعظم من صراح الكفر، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) [الآيتان 8 ، 9 من سورة البقرة].

- قال: « أفلا ترى أن المنافقين أظهروا قبول الأحكام الإسلامية وألزموا أنفسهم التديّن بها حيلةً بذلك وخديعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين ليحقنوا بذلك دمائهم ويحفظوا أموالهم، فأعطاهم ما أرادوا بما أظهروا وأكذبهم فيما ادعوا بما أسرّوا وأبطنوا.

- أفلا ترى أن الله عز وجل شرع رُخَصًا وضعها عند الحاجة إليها وشدة الضرورة عند نزولها، فقال حين فرغ من فرض الصيام: ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر ) [الآية 185 من سورة البقرة] وقال: ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) [الآية 101 من سورة النّساء] [إبطال الحِيَل 42 – 45].

إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وهذه الحيل يراد بها إبطال واجب من الواجبات. وقد صارت ذريعة عند أتباعه في التهاون بهذا الواجب لسبب ولغير سبب.

قال تعالى عن المنافقين: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم ) [الآية 142 من سورة النّساء]. وقال صلى الله عليه وسلم : « الخديعة في النار » [البخاري 3 / 24 ].

تاريخ التحايل في هذه الأمة وقد انتشر التحايل عند الحنفية أكثر من غيرهم، وأشار الذهبي إلى ذلك حيث قال: « الحنفية على خير إن سلموا من التحيل والحِيَل على الربا وإبطال الزكاة، ونقر الصلاة والعمل بالمسائل التي يسمعون النصوص النبوية بخلافها » [زغل العلم للذهبي 34].

الحيلة على الله مسلك يهودي قديم فيه نسبة الغفلة والجهل لله وسوء اعتقاد الأحباش (أدعياء التنزيه) في صفات الله ألجأهم إلى هذا التحايل حتى ظنوا أنه ينطلي على رب العباد. فالذي يعلّم الناس التحايل على الله إنما يعلمهم العبث والمكر بالله، وهي خطة يهودية اشتهرت بها أمة الغضب سنّوها فيما بينهم وليست من سنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم .

ولهذا مسخهم الله قردة جزاء وفاقًا لمّا مسخوا شريعته. ولهذا؛ فلا يهمني أن أثبت أن الحبشي يهودي مدسوس كما فعل البعض، فهذا لا أملك عليه دليلاً في الوقت الحاضر، لكن الذي أملك الدليل عليه أن هذا المسلك سلوك اليهود اشتهروا به من قبل وتعرضوا للمسخ بسببه. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : « لا ترتكبوا ما ارتكبته اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » [ذكره ابن كثير 2/257 وابن بطة في إبطال الحيل وسنده حسن].

وإليكم نماذج من الحيل التي يظن أنها تقلب الحرام حلالاً. يتعاملون مع الله كما يتعامل المتهربون من الضرائب مع حكوماتهم. فتواه في حكم الكحول وبينما يرى الحبشي تحريم مادة الكحول (الاسبيرتو) لمن يقصدها للسُّكر أو الوقود والتداوي: يفتي لمن يحتاجه للتداوي في الجروح والوقود ونحوها: أن يستعمل حيلة كأن يقول للبائع: « بعني هذه القنينة بكذا: ليس الاسبيرتو الذي فيها، فإني آخذه من غير مقابلة بهذا المبلغ، وإنما هو ثمن القنينة » قال: « وهذه حيلة يراد بها التخلص من الحرام » [بغية الطالب 257 أو صفحة 330 من الطبعة الجديدة]. لكنه لم يتكرّم ببيان من الذي استُعمِلتْ في حقه هذه الحيلة. وهل كانت خافية عليه؟ فهي حيلة يراد بها استحلال الحرام لا التخلص منه.

ومن الأدلة عنده على الحيلة الشرعية: ما قاله تلميذه (نبيل الشريف) في (مجالس الهدى 21/ب/644) والدليل على أنه يجوز استعمال الحيلة الشرعية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل يومًا تمرًا عند صحابي فأعجبه فقال: « أَكُلُّ تمر المدينة هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعل: بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا » [البخاري في البيوع باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه. وفي الوكالة: باب الوكالة في الصرف وفي المغازي: باب استعمال النبي على أهل خيبر وفي الاعتصام: باب إذا اجتهد العالم فأخطأ ومسلم (1593) في المساقاة والنسائي 7/271 والموطأ 2/623] قال: فالرسول هنا علمه حيلة شرعية ».

وأعجب لهذا الاستدلال. فقد روى البخاري الحديث في أربعة مواضع: في البيوع وفي الوكالة وفي المغازي وفي الاعتصام. ولم يروه في باب الحيل: هذا الباب الذي أراد به الرد على من يجوز الحيلة ويسميها « حيلة شرعية ». ورواه مسلم في المساقاة. ولم يدرجه في باب الحيل. ولئن كانت الحيلة جائزة فلماذا لم يحتج به الحافظ ابن حجر وغيره على جواز الحيلة ووقفوا من موضوع الحيلة موقفًا سلبيًا؟ إلا أن يكون السقم في أفهامكم؟ ومن صور التحايل تحريمه على المستأجر أن يأخذ (خلوّ) مبلغًا من المال من المؤجِّر لقاء ترك المنزل.

إلا أنه نصح السائل أن يستعمل حيلة ليتخلص من أكل الحرام، يقول له: بعتُك هذه الطاولة ويفرض مبلغ الخلو على أنه ثمن لشراء الطاولة لا لخلوّ الشقة فإن فعل تلك الحيلة باع ما يملكه [الدر المفيد في دروس الفقه والتوحيد 113]. ووالله لو أخذ مال الخلوّ لكان أقل حرمة من استباحة التحايل على الله.

ومن صور التحايل فتواه بعدم جواز أن يشتري الرجلُ الكتب الكفرية المخالفة للدين ولو كان لمطالعتها من أجل الرد عليها، ولكن إن أراد الحصول عليها فليكن بدون شراء، فيقول للبائع أنا أعطيك مجانًا كذا من المال وأنت أعطني هذه النسخة مجانًا.

فيعطيه المبلغ مجانًا ويأخذ النسخة مجانًا: لماذا يشتريه [الدر المفيد في دروس الفقه والتوحيد 136]. فهل يفعل هذا عاقل يتدبر صفات الله وأنه مطلع على الضمائر، يبدو أن هذا ثمرة العبث والتأويل في أسماء الله وصفاته أن صار هؤلاء يتعاملون مع الله وكأنه يسمع تنادي الأصوات ولا يعلم ما تعقده النيات!

ومن صور التحايل تحريمه أخذ شيء من أموال شركات التأمين لأن التأمين عندهم حرام، غير أنهم يرسلون أموالاً اكتسبوها إلى أقربائهم ثم يطالبونهم أن يرسلوا إليهم ما أخذوه من مال بنية الهدية. وبهذه الحيلة على الله يعود المال إليهم في شكل هدية.

ومن صور التحايل المشهورة عن الحبشي فتواه بجواز أكل البصل والثوم على وجه الحيلة للتخلص من إثم وحرمة التخلف عن صلاة الجمعة، وذلك حين شكا إليه جماعة من طلاب الجامعة الأمريكية ببيروت التزامهم يوم الجمعة بحضور الدروس ومتابعة المحاضرات في الجامعة. ثم صار أتباعه يستخدمونها إذا كانوا في بلد أهله كفار كالوهابية على حد زعمهم.

ومن صور التحايل فتوى له مكتوبة بخط تلاميذه وفيها: يبيح لمن عنده مال حال عليه الحول أن يصرفه قبل حَوَلان حوْلِه ولو بوقت قصير يسير، وذلك تهربًا من الزكاة. قال: « فهذا ليس حرامًا، وإنما مكروه فقط، إلا عند من شذّ » [هذه الفتوى مأخوذة من كراس غازي الشريف 24 الحاوي لكثير من فتاوى شيخه نقلها من نبيل الشريف ومهدي برو. وجاء فيه « فائدة: قال الإمام ابن سريج مجتهد عصره: بشر الصيارفة بأنه لا زكاة عليهم »] غير أن الحافظ ابن حجر نقل عن الهلب قوله: « من رام أن ينقص شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح، وأن الإثم عنه غير ساقط وأن الزكاة لا تسقط بالحيلة » [فتح الباري 12/331 – 333].