الإنكار في مسائل الخلاف

والحبشي يتمسك بالمسائل المختلف فيها، ويختار المرجوح الشاذ منها ويحتج على المعترضين بأن في المسألة خلافًا ولا يحق الإنكار فيما هو مختلف فيه. ويلزم من ذلك: أنه ليس للحنفي أن ينكر على الشافعي متروك التسمية كما أنه ليس للشافعي أن ينكر على الحنفي شرب النبيذ الذي ليس بمسكر ونكاح المرأة بلا ولي. وإنما يحق للحنفي أن ينكر على حنفي مثله أو الشافعي على شافعي مثله. ولكن هل يجوز أن تبقى مسألة النكاح بدون ولي مأذونًا بالخلاف فيها، ويكون النكاح فيها شرعيًا عند الحنفي، زنى عند الشافعي أم يجب حسمها لا سيما وأنها معارضة لصريح قول النبي  : « لا نكاح إلا بولي ». وقوله: « أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل ». وقوله: « لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها ». وكيف يسوغ هذا عند قوم يقولون من تارة لأخرى: « لا اجتهاد مع النص، وإذا جاء الأثر امتنع النظر » [هذا الفصل مستفاد من كتاب الشيخ فضل إلهي ظهير].  وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا  [الآية 7 من سورة الحشر]. كيف صار حال الأمة هكذا: وما آتاكم أبو حنيفة فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ولو كان مخالفًا لكلام الله ورسوله  ؟  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً  [الآية 36 من سورة الأحزاب]. كيف صار حال الأمة هكذا: وما كان لمذهبي ولا مذهبية إذا قضى الشافعي أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص مالكًا وأبا حنيفة فقد ضل ضلالاً مبينًا كيف ينصر الله أمة هذه أفكارها وآراؤها وهكذا صار حالها؟ وكيف نغري الكفار بالدخول في دين الإسلام وهم يرون منا التقليد الأعمى والاستسلام لأقوال المشايخ أكثر من الاستسلام لقول الله والرسول. قال تعالى:  وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ  [الآية 10 من سورة الشّورى]. وهؤلاء يقولون وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه بحسب المذهب فيكون حرامًا عند الشافعي حلالاً عند أبي حنيفة مستحبًا عند أحمد مكروهًا عند مالك! قال تعالى:  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  [الآية 59 من سورة النّساء] فجعل الله الرد إلى الله والرسول شرطًا من شروط الإيمان. والرسول  يقول: « من رأى منكم منكرًا فليغيره » ولم يقل ولا تنكروا على من كان يعتقد الحرام حلالاً. هكذا من غير تعليمه الحق بجانب من في هذه المسألة. فكل ما خالف النصر الصريح الثابت ينكر عليه مهما كان مقامه وفضله. فإنه لن يصل إلى فضل أكابر الصحابة وهم قد أخطئوا وأنكر عليهم صحابة آخرون. فالعبرة في الإنكار بالنص لا بمذاهب الناس. إن القول (لا إنكار في مسائل الخلاف) صار ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو سلمنا بهذه القاعدة لوجد للمخالف للكتاب والسنة من يتستر ويحتج برأيه في كثير من المسائل فيسلم من الإنكار عليه رغم معارضته لما ثبت بالكتاب والسنة. فالقاعدة الصحيحة: كل من خالف ما جاء في الكتاب والسنة ينكر عليه سواء كانت المسألة من مسائل الخلاف أم من غيرها مع ضرورة مراعاة ما يترتب على الإنكار. وعدم إنكار المنكر على من يرى الحكم منكرًا هو: قتل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تضييع للحق واعتقاد بتعدده حيث يكون حرامًا حلالاً في نفس الشيء الواحد بحسب نوع المذهب. فالحرام حلال على من اعتقده حلالاً. حرام على من اعتقده حرامًا. ومن أخطأ في اجتهاد منذ ألف سنة يجب الأخذ بخطئه. ولا يجوز حسم المسائل لأن هذا فوضى تهدد الشريعة الإسلامية وتطاول على الأئمة ونسف لجهودهم … إلى غير ذلك من الإفساد المزين في صورة الإصلاح. فهل هذه الصفة في الأمة تغري الكافر في الدخول في الإسلام أم أنها تنفره منه لما يرى من الدعوة إلى التقليد وأن كلاً من المتخاصمين مصيب. سبب اللبس في هذه المسألة إن السبب في هذا الفساد المنهجي: أولاً: هو اعتقاد كثيرين من الأشاعرة أن كل مجتهد مصيب. والتي أخذ الشعراني يدافع عنها بشدة. وحكاها الحافظ ابن عساكر عن أبي الحسن الأشعري [انظر الميزان الكبرى للشعراني 32-53 ط: وقف الإخلاص بتركيا ضمن كتاب علماء المسلمين وجهلة الوهّابيّين. وتبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري 152]. وهي قاعدة فاسدة باطلة. تخالف قول النبي: « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر »: ثانياً: « أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم » [إعلام الموقّعين 3/300] وأن كل مسألة خلافية هي مسألة اجتهادية، والأمر ليس كذلك حيث تنقسم مسائل الخلاف إلى قسمين: فالمسائل الخلافية غير الاجتهادية هي المسائل التي اختلف فيها العلماء، ولكن يوجد نص صريح يدل على صحة أحد الأقوال فيها. أما المسائل الخلافية الاجتهادية فهي المسائل التي وجد فيها الخلاف لكن لم يوجد نص صريح يدل على صحة أحد الآراء فيها. لا عذر لأحدٍ عند الله يوم القيامة إذا كان قد ترك النصوص التي لا معارض لها بحجة تمسكه برأي أحد من الناس. الإنكار على أكابر الصحابة فيما فاتهم من السنن ولقد قيل لابن عمر: إن أباك ينهى عن حج التمتع. فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله  أمرُ أبي يُتبع أم أمر رسول الله  ؟ [جامع الترمذي رقم (823) وصحح إسناده شيخنا الألباني في صحيح الترمذي 1/247]. وأنكر عمار على عمر منعه الجنب عن الصلاة بالتيمم إذا لم يجد الماء [صحيح مسلم كتاب الحيض: باب التيمم رقم (368)]. وأصدر أبو بكر عنه حكمًا بقطع رجل السارق بعد اليد، فلما نبّه أن حكمه يعارض السنة رجع عنه حين قال له عمر: « السنة اليد » [المصنف، كتاب الحدود، في السارق يسرق فتقطع يده ورجله ثم يعود، رقم الحديث 8314، 9/510، وسنن الدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، رقم الحديث 388، 3/212. وأخرجه أيضًا الإمام ابن حزم في المحلى 13/402] وفي رواية: فقال: « لا، والذي نفسي بيده لتقطعن يده الأخرى ». فأمر به أبو بكر رضي الله عنه فقطعت يده [السنن الكبرى للبيهقي كتاب السرقة باب السارق يعود فيسرق ثانياً وثالثاً]. وكان عمر بدوره يقول: « الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إلي رسول الله أن وُرْثَ (أورث) امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فرجع عمر رضي الله عنه » [سنن أبي داود كتاب الفرائض (2925)]. قال الإمام الشافعي تعليقًا على هذا: « فقد رجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عما كان يقضي به لحديث الضحاك رضي الله عنه، إلى أن خالف حكم نفسه » [الرسالة الحجة في ثبوت خبر الواحد ص 428] وقال الإمام الخطابي: « فلما بلغته السنة ترك الرأي وصار إلى السنة » [معالم السنن المختصر مع سنن أبي داود 4/191]. نقض الفاروق حكمه برجم المجنونة حينما نبه بحكم السنة فيها: وعن ابن عباس أن عمر أُتِيَ بمجنونة قد زنت فأمر بها فرجمت فمر بها علي فقال ما شأن هذه؟ قالوا مجنونة بني فلان زنت. فقال: ارجعوا بها. ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم رفع. أن رسول الله  قال: إن القلم قد رفع عن ثلاث عن المجنون حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يعقل. قال بلى. قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: فأرسلها فأرسلها فجاء يكبر (يعني عمر) [أبو داود 4388]. وكان عمر قد فرق في دية الأصابع فجعل في الإبهام خمسة عشر وفي السبابة عشرة وفي الوسطى عشرة. وفي البنصر تسعة وفي الخنصر ستة. فبلغه خبر كتاب النبي  لآل حزم وكان قد جاء فيه أن الأصابع كلها سواء. فرجع إليه وترك قوله. [وفي رواية] فأخذ به وترك أمره الأول [انظر فتح الباري 12/226]. وكان عثمان يرى النهي عن حج التمتع رغبة في إكثار زيارة الناس لبيت الله الحرام. فلما سمع ذلك علي بن أبي طالب أنكر على عثمان. وفي رواية البخاري: فلما رأى ذلك علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة قال: ما كنت لأدع سنة النبي  لقول أحد [البخاري كتاب الحج 3/ 421 (1563)]. وفي رواية عند أحمد: فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله؟ قال: لم أكن أدع سنة رسول الله  لقول أحد من الناس. نقض معاوية قراره بالسير نحو بلاد الروم عند معرفة مخالفته السنة كان بين معاوية وبين الروم عهد وبدأ يسير بالجيش نحو بلادهم حتى انقضى العهد فغزاهم فجاء رجل على فرس وهو يقول الله أكبر (وكان عمرو بن عبسة) فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله يقول: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء. فرجع معاوية [سنن أبي داود رقم (2756)]. فلا الحاكم له أن ينقض حكم غيره. ولا العالم ولا المفتي له أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل. ولهذا لما استشار المنصور مالكًا أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه. فلا تقل كيف أخطأ الشافعي ولكن قل أخطأ أبو بكر وعمر وهم مجتهدو الصحابة. هذا ابن عباس فاته أن المتعة قد نسخت. وهذا عمر فاته أن التيمم يكفي للجنُب ونسي قول النبي  . وهذا ابن مسعود نسي أن التطبيق عند الركوع منسوخ: وهذا أبو هريرة ينهى عن أن يغتسل الرجل والمرأة في الإناء الواحد. فهل يجوز تقليدهم في نسيانهم؟ وهناك خلاف بين العلماء على مشروعية رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه: قال الإمام محمد بن نصر المروزي: « أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة » [فتح الباري 2/219 وانظر فقه السنة 1/143]. وقال بعض الحنفية: إنه يبطل الصلاة ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة [فتح الباري 2/220]. وإذا رددنا الأمر إلى السنة المطهرة وجدنا فيها نصوصًا تدل على أن النبي  كان يرفع يديه في الصلاة عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع الرأس منه. ومنها ما رواه البخاري عن ابن عمر قال: « رأيت رسول الله  إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده » [البخاري (736) 2/219]. تعين التكبير للدخول في الصلاة قال النبي  : « إذا قمت إلى الصلاة فكبر » [البخاري رقم (793) 2/277] وقال: « إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل ثم يكبر الله عز وجل ويحمده ». ورواه الطبراني بلفظ: « ثم يقول الله أكبر » [سنن النسائي كتاب الافتتاح 2/226. فتح الباري 2/217]. وعلى هذا العمل كما قال الترمذي عند أهل العلم من أصحاب النبي  ومن بعدهم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق أن تحريم الصلاة التكبير ولا يكون الرجل داخلاً في الصلاة إلا بالتكبير. وقال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: « لو افتتح الرجل الصلاة بتسعين اسمًا من أسماء الله تعالى ولم يكبر لم يجزه » [جامع الترمذي 2/35 – 36]. ولكن رغم هذا كله فإن هذه المسألة الخلافية حيث يرى الحنفية أن الصلاة تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم [فتح الباري 2/217]. بل روي عن أبي حنيفة أنه قال: « إن افتتح الصلاة بالفارسية وقرأ بها وهو يحسن العربية أجزأه » [كتاب المبسوط 1/26 – 27 . فتح القدير 1/284 – 285]. وعن علي أن النبي  قال: « مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم » [رواه أحمد في المسند 2/218 وأبو داود (1006) قال الحافظ إسناده جيد (فتح 2/322)]. وذهب الأئمة الشافعي ومالك وأحمد إلى أن الخروج عن الصلاة بلفظ السلام فرض. وعند أبي حنيفة ليس بفرض بل يرى أن الخروج من الصلاة بكل فعل وقول يضاد كالحدث ونحوه حملاً على السلام وقياسًا عليه [المجموع 3/424 واحتجوا بحديث ضعيف عارضه الخطابي وبين ضعفه في معالم السنن (1/175)]. قال أبو حنيفة: « إذا صح الحديث فهو مذهبي » [حاشية ابن عابدين 1/68]. قال مالك: « إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه » [جامع بيان العلم وفضله باب معرفة أصول العلم]. قال أحمد: « من رد حديث رسول الله  فهو على شفا هلكة ». (مناقب أحمد لابن الجوزي 235). قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على كلام البخاري [فإذا عزم رسول الله  لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله]: « ويستفاد من ذلك أن أمره  إذا ثبت لم يكن لأحد أن يخالفه ولا يتحايل في مخالفته، بل يجعل الأصل الذي يرد إليه ما خالفه، لا بالعكس، كما يفعله بعض المقلدين » (فتح الباري 13/341). قال العيني في شرحه حديث عائشة: « كنت أغتسل أنا والنبي  من إناء واحد ». ذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه « كان ينهى عن أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد. قلت: غاب عنه الحديث المذكور والسنة قاضية عليه » (عمدة القاري 3/196). قال الشافعي: « أما ما دلت عليه السنة فلا حجة في أحد خالف قوله السنة » (الرسالة330). قال النووي: « وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التثويب واشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض. وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عملوا بالحديث وأفتوا به قائلين: "مذهب الشافعي ما وافق الحديث"» (المجموع شرح المهذب مقدمة الإمام النووي 1/108). وكان أبو حنيفة لا يرى فيما يخرج من البحر شيئًا، فخالفه القاضي أبو يوسف رحمه الله تعالى في هذا محتجًا بما روى فيه حديثًا. فقال: « وأما أنا فإني أرى في ذلك الخمس، وأربعة أخماسه لمن أخرجه، لأنا قد روينا فيه حديثًا عن عمر رضي الله عنه، ووافقه عليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فاتبعنا الأثر ولم نر خلافه » (كتاب الخراج ص70). ترك القاضي أبي يوسف رأي أبي حنيفة في المزارعة والمعاملة: كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يكره المزارعة والمعاملة في الأرض والنخل وأباحهما أبو يوسف متبعًا ما ثبت عن النبي  في مساقاة خيبر. قال أبو يوسف: « فكان أحسن ما سمعنا في ذلك جائز اتبعنا فيه الأحاديث التي جاءت عن النبي  في مساقاة خيبر لأنها أوثق عندنا وأكثر وأعم مما جاء في خلافها من الأحاديث » (كتاب الخراج 88-89). ترك أبي يوسف رأي أبي حنيفة في قتل المرأة التي تسب أو تعيب الرسول . وكان أبو حنيفة لا يرى قتل المرأة التي تسب النبي بل تجبر على الإسلام حيث صارت كافرة. قال أبو يوسف: وأيما رجل سب رسول الله  أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر بالله وبانت منه زوجته فإن تاب وإلا قتل. وكذلك المرأة إلا أنّ أبا حنيفة قال: « لا تقتل المرأة وتجبر على الإسلام » (كتاب الخراج 182). ترك محمد رأي أبي حنيف في تأمين الإمام: كان أبو حنيفة لا يرى تأمين الإمام ويؤمن من خلفه فقط. وخالفه محمد فرأى أن يؤمن الإمام والمأموم من خلفه مستدلاً بالحديث: « إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » (عون المعبود 3/144). ترك محمد رأي أبي حنيفة في إيجاب الدم بسبب تقديم الحلق على الذبح: كان أبو حنيفة يرى أن المتمتع والقارن إذا حلق قبل الذبح عليه دم فخالفه محمد بن الحسن الشيباني مستدلاً بالحديث أن رجلاً قال يا رسول الله: نحرت قبل أن أرمي قال: « ارم ولا حرج ». لذا قال محمد: « وأما نحن فلا نرى عليه شيئًا ». (موطأ محمد الشيباني 229-230). ترك محمد رأي أبي حنيفة في عقد النكاح بلا ولي: قال محمد لا نكاح إلا بولي … فأما أبو حنيفة إذا وضعت نفسها في كفاءة ولم تقصر في نفسها في صداق فنكاحها جائز … (بدائع الصنائع 2/247 وموطأ محمد الشيباني 244). ترك الشيخ البلخي رأي الحنفية في مسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. قال اللكنوي: « وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها ويخرجونه عن مقلديه، ولا عجب منهم فإنهم من العوام وإنما العجب ممن يتشبه بالعلماء ويمشي مشيهم كالأنعام » (الفوائد البهية في تراجم الحنفية 98-99). قال ابن عابدين: حصلت مخالفة الصاحبين لأبي حنيفة في نحو ثلث المذهب (الحاشية لابن عابدين 1/67). وهكذا ترى منهج أولئك الأئمة الأفاضل يميلون مع الحق ويحسمون ما سبق من خلاف ويخالفون أبا حنيفة إمامهم ويوافقون الشافعي في كثير من المسائل ومنها ما تقدم في مسألة الربا من مخالفة أبي يوسف للأوزاعي ومخالفته أبا حنيفة في جواز أخذ الربا من الكافر الحربي. ذلك أنهم يميلون مع الحق الذي هو أولى عندهم حتى من أبي حنيفة: ولا شك أن هذا ما علمهم أبو حنيفة إياه. فحالهم يختلف عما آلت إليه أحوال الناس اليوم من التقليد الذي شجع عليه علماء السوء الذين يلبسون الحق بالباطل ويغرون العامة بالمصلحين، ويوهمونهم أنهم يطعنون في أئمة المذاهب وينشرون الفوضى الدينية ليجعلوا من أنفسهم مجتهدين ويلغوا جهود الأئمة السابقين. إلى غير ذلك من الاتهامات الباطلة. وبعد هذه الجولة حول مسألة الإنكار في مسائل الخلاف سنعرج على مسألة الاجتهاد والتقليد بالتفصيل. هل الصحابة مقلدون؟ 1 ) ذكر الحبشي أن أغلب أصحاب النبي  كانوا مقلدين لا يستطيعون استخراج الأحكام من القرآن والسنة. وأن المجتهدين من الصحابة ستة فقط. وأن النبي  كان يعلم أن أكثرهم لا يستطيعون استخراج الأحكام من القرآن والسنة [شريط (3) 744 وجه (1) وانظر صريح البيان 57 طبعة مجلدة]. وقد كذب الدهلوي هذا القول وأكد أن أحدًا من الصحابة والتابعين لم يكن ليأذن أن يقلده أحد في كل ما يقوله ويذهب إليه، وأن تقليد شخص بعينه لم يكن معروفًا بين الصحابة والتابعين ولم يعرف إلا في القرن الرابع [انظر كتاب حجة الله البالغة 1/152 – 155]. بل ذكر الزبيدي أن: « المقلدة عصت الله في قوله:  وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه  [الآية 7 من سورة الحشر] وعصت الرسول في قوله:  فَاتَّبِعُونِي  [الآية 31 من سورة آل عمران] وعصت إمامهم في قوله: « خذوا بالحديث إذا بلغكم، واضربوا بكلامي الحائط » [إتحاف السادة المتقين 3/437]. ومن الوقاحة أن يدافع هؤلاء عن التقليد وليس معهم من كلام أئمة المذاهب إلا التحذير الشديد من التقليد والوصية بأن يأخذوا من حيث أخذ الشافعي وأحمد. وهؤلاء هم الممثلون الحقيقيون لنهج الصحابة. ولو كان التقليد بين الصحابة مشروعًا لما حذر الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك من التقليد. ولو كان التقليد عقيدة الصحابة لما مانع الشافعي من ذلك. والسؤال المفحم: هل قلد الصحابة علماءهم في كل شيء: في العقائد والأحكام أم في الأحكام دون العقائد؟ فإن قال: في الأحكام فقط طولب بالدليل. وإن قال بلا تفريق ألزمناه بتوقف الأشاعرة في إيمان من يقلد في العقائد. فقد قال أبو منصور البغدادي: « قال أصحابنا: كل من اعتقد أركان الدين تقليدًا … فهذا غير مؤمن بالله ولا مطيع له، بل هو كافر … ومنهم من قال: لا يستحق اسم المؤمن إلا إذا عرف الحق في حدوث العالم وتوحيد صانعه … وهذا اختيار الأشعري وليس المعتقد للحق بالتقليد عنده مشركًا ولا كافرًا وإن لم يسمّه على الإطلاق مؤمنًا » [أصول الدين 254 – 255]. ولم يتكلموا في حدوث العالم وتوحيد الصانع. فهم على طرفي نقيض حيث يحرمون التقليد مطلقًا في أصول الدين حتى على العامة، وفي المقابل يجيزونه في الأحكام مطلقًا. حتى إنهم يذكرون مسألة هي حرام عند الشافعي، حلال عند مالك ويختمون المسألة بقولهم: من شاء أن يقلد الشافعي في التحريم فله ذلك، ومن شاء أن يقلد مالكًا في الإباحة، فله ذلك. إلى هنا تنتهي المسألة عندهم! ثم قول الحبشي هذا استخفاف بالصحابة الكرام بناء على ما اتفق عليه من أن المقلد جاهل وأنه ليس من أهل العلم. قال السيوطي: « إن المقلد لا يسمى عالمًا » [نقله السندي في حاشية ابن ماجة 1/7 وأقره]. ويؤكد هذا الاستخفاف ما اشترطه الحبشي من مواصفات المجتهد وذلك: أن يكون فقيه النفس. أن يكون قوي القريحة. أن يكون كامل الذكاء. ذهنه قوي في معرفة مآخذ الأحكام [شريط (4) 193 وجه (1)] أفلا يستحق أحد من الصحابة هذه الأوصاف إلا ستة منهم! ونسأل الأحباش: ماذا لو وصفنا شيخكم بأنه مقلد؟ أخبرونا: هل شيخكم فقيه النفس قوي القريحة كامل الذكاء؟ إن قلتم نعم: فقد فضلتموه على الصحابة « المقلدين ». وإن قلتم لا – وأنت لن تقولوا – طعنتم في سلطانكم ورميتموه بالغباوة. هل ترضون أن نضعه في قائمة الصحابة المقلدين أم أنكم ترونه أعلى قدرًا من أن يكون بين الصحابة المقلدين لأنه سلطان العلماء عندكم ولهذا تلقبونه بالسلطان؟ والحق أن من تأمل سيرة الصحابة رضي الله عنهم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا يَدَعُونها لقول أحد كائنًا من كان. وكانوا أحرص الناس عملاً بهذه الآية:  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  [الآية 59 من سورة النّساء]. وقد تقدمت أمثلة عديدة لذلك. وكان رجوع الصحابة إلى ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم لما فاقوهم في العلم لا لكونهم أصحاب مذاهب. قال البخاري: « وكانت الأئمة بعد النبي  يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبي  » [صحيح البخاري: كتاب الاعتصام بالسنة: باب: قول الله تعالى:  وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم  [الآية 38 من سورة الشّورى] و  وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ  [الآية 159 من سورة آل عمران]]. وروى الدارمي عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: « إنه لا رأي لأحد في كتاب، ولم تمض به سنة من رسول الله ، ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله  » [سنن الدارمي 1/95 باب ما يتقى من تفسير حديث النبي  حديث رقم (437)]. فمَن من الصحابة صرح بعدم صحة صلاة مقلدي ابن مسعود وراء مقلدي ابن عباس، ومن منهم أفرز للناس قاضيًا مسعوديًا وقاضيًا عباسيًا على النحو الذي جرى بين المسلمين طيلة القرون الماضية حيث كان في القرية الواحدة أربعة أئمة وأربعة قضاة وأربعة مفتين: قاض ومفت وإمام للشافعية وقاض ومفت وإمام للحنبلية وقاض ومفت للحنفية وقاض ومفت وإمام للمالكية! وحرموا على المسلمين عامة تقليد غير هذه المذاهب الأربعة كما قال ابن حجر الهيتمي في فتح الأربعين (ص 221) قال بعض أئمتنا: « لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة ». ولئن كانت طريقتهم مثل طريقة المقلدين اليوم فلماذا نصرهم الله وخذلنا وتخلى عنا؟ لقد نصرهم الله حين جعلوا الغيرة على دين الله فوق أي اعتبار آخر. الصحيح أن بدعة التقليد لا دليل يدل عليها بل الصحيح أن التقليد لم يأخذ شكله إلا في القرن الرابع الذي ذمه رسول الله  [الإنصاف للدهلوي]. ولقد أنكر ابن عباس على قوم كانوا يعارضون السنة لقول أبي بكر وعمر فقال: « يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول لكم قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وقال عمر [جامع بيان العلم 2/196 الفقيه والمتفقه 1/145]. فماذا لو رأى ابن عباس شيوع التقليد في الأمة والتعصب الأعمى، ماذا لو سمع بقول الكرخي: « كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ » [الأصل للكرخي 152 ملحقة بتأسيس النظر للدبوسي]. وقال أحمد: « عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول:  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [الآية 63 من سورة النّور] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك » [أخرجه ابن بطة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية 1/260]. وقال صديق هذه الأمة أبو بكر: « أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم » [رواه ابن إسحاق في السيرة وسنده صحيح. وانظر البداية والنهاية 5: 248] وبهذا يتبين أن اتباع السنة وتحري الحق أعظم عندهم من زيد وعمرو. ولم يكونوا يستحوذون على عقول الناس ويقيدوها ويغلّوها كما يُغَلّ الحمير. مسألة التقليد يجب الاعتراف بفضل علماء وفقهاء هذه الأمة والخير الذي تركوه من بعدهم، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم فقد شهدت الأمة بصلاحهم ونبلهم، وأحبهم من رآهم ومن لم يرهم. وإن المحذّر من التقيد الأعمى ليس داعيًا إلى كُفرانِ فضلهم وإنما يدعو إلى ما دعوا إليه وينهى عما نهوا عنه، فقد نهوا عن تقليدهم تقليدًا أعمى فيما نسميه ب‍ (التعصب) الذي جاء الإسلام لاستئصاله. فإنه لا غنىً لطالب العلم عن أقوالهم واجتهاداتهم ليستعين بها في فهم نصوص الكتاب والسنة ولكن من غير أن يجعل مذاهبهم وفتاويهم مقدَّمة على كتاب الله وسنة رسوله  حاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه من دون التحاكم إلى الله والرسول. فإننا مع تعظيمنا لهم نعلم أنهم بشر غير معصومين ولهم طاقات محدودة. وأن العلم يستوعب الرجال ولكن الرجال لا يستوعبون العلم كله. ونؤمن أنهم قد أوصلوا الناس بعلومهم إلى مرحلة يمكن لمن يأتي بعدهم أن يسهم في قطع مراحل أخرى من العلم وكذلك من جاء بعدهم يقطع مراحل أخرى… والأواخر في كل علم وفن عالة على المتقدمين، وعملهم ثمرة لشجرة غرسها سلفهم الصالحون، فعاد الفضل للأوائل. ولكن حال أهل التقليد دون الوصول إلى هذه المراحل واكتفوا بمرحة الأئمة. فقد أبى بعض دعاة التقليد الأعمى إلا الانغلاق والتعصب والجمود، فأغلقوا باب الاجتهاد بالكلية وشبهوا الخارجين عن طور التقليد بالخارجين عن طور الدين. وصار هو البدعة في الدين والفوضى التي تهدم الدين. وحكموا بالغيب أن الله لن يخلق لهذه الأمة عالمًا واحدًا مجتهدًا، وكأن الله قد أطلعهم على غيبه أنه لن يخلق مجتهدًا. إنه يجوز للعوام تقليد مذهب من المذاهب وذلك بسبب عجزه عن طلب العلوم أو لكونه أمّيًّا ولكن بشرط أن لا يتعصب لقول مذهبه فيما تبين له أنه راجح عند الإمام الآخر. فإن الآراء الراجحة مقسمة بين الأئمة وليست في مذهب واحد فقط دون الآخرين. فتارة يكون قول الشافعي هو الراجح وتارة يكون قول أبي حنيفة أرجح منه. وتارة يكون الحق حليف مالك وتارة يكون حليف أحمد. وهكذا. وهذا لا يعني تحريم تقليد العامة لمذهب أو لإمام يثقون في دينه ولكن بشرط: متى ظهر لهم أن الحق يخالف المذهب في مسألة ما فعليهم أن يتركوا المذهب في المسألة عينها ويدوروا مع الحق حيثما كان. وإذا كان مقلدًا لأحمد وتبين أن قوله في مسألة ما غير راجح وأصح منه قول الشافعي فإنه يذهب مع الشافعي في هذه المسألة دون أحمد ولا مانع أن يبقى في غير هذه المسألة على مذهب أحمد. وحينئذ لا يضر العامة تقليد أئمتهم في خطأ لم يتبين لهم، ما داموا على هذه النية مستعدين لتقديم قول الله ورسوله على قول المذهب والإمام. لا أن يكون حالهم كحال المقلدين القدامى الذين  وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  [الآية 170 من سورة البقرة]. هذا هو المنهج الذي أوصى به أئمة المذاهب. يقول الحافظ ابن عبد البر: « فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبين موقع الحجة، ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك… ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله عز وجل:  فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  [الآية 7 من سورة الأنبياء]. وقال ابن تيمية: « والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة: لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد » [مجموع الفتاوى 20 / 202] وبهذا ينتفي كلام من زعم أننا نحرم التقليد مطلقاً، وإنما نحرم ذاك التقليد الأعمى الذي يصير صاحب المذهب به معصومًا لا يجوز تخطئته البته. فمع أننا لم نغلق باب التقليد كليًا إلا أن بعض المغرضين لا يزالون يشيعون علينا أننا نسبّ الأئمة الأربعة ونخالف أقوالهم ومذاهبهم. الأئمة الأربعة لم يسنوا التقليد وقد بلغت الأمة من فساد التقليد ما أوقعها في الجمود الفكري وجعل أهل القرون المظلمة يسبقوننا بأشواط وقد استفادوا من نقلة وحضارة سلفنا وبنوا عليها تقدمًا مذهلاً. واتخذ المسلمون من المذاهب شكلاً حزبيًا بحتًا أساء إلى من تنتمي المذاهب إليهم قبل كل شيء، واتخذ التمذهب شكلاً إقليميًا فمن كان من أهل المغرب فهو بالتأكيد مالكي ومن كان من بلاد الهند وما وراء النهر فلا بد أن يكون حنفيًا! وبرزت تلك الصورة القاتمة المظلمة من العالم الإسلامي التي يذكرها الشيخ محمد أبو زهرة حيث يقول: « وقد اتسم عصر ابن تيمية بالتحيز الفكري، فكلٌ له إمام يتبعه في الفقه وفي العقيدة، وفي كل مدينة أربعة قضاة يقضي حسب المذهب وإمام حسب المذهب [تاريخ المذاهب الإسلامية 642 محمد أبو زهرة]. ولو قدّر أن يبعث الله الشافعي وينظر ما أحدثوه من بعده من التعصب باسمه لتبرأ ممن ينتسبون إليه. معنى التعصب والتقليد قال أبو عبد الله بن خويز منداد المالكي: « التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوعٌ منه في الشريعة » [جامع بيان العلم 2/143 لابن عبد البر]. أما التعصب فمعناه: عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بسبب الميول والأهواء، والتمسك بالرأي لو كان خطأ، وهو علامة على الزيغ والانحراف. وأصل معناه وضع العصابة على العين فلا تبصر. وقد اختبر الله الناس بعائشة رضي الله عنها حين خرجت على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وصرح عمّار بن ياسر بهذا الاختبار فقال: « والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم: إياه تطيعون أم هي » [البخاري (7100)]. فلماذا لا يختبر من بعدهم بأحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة. لقد اجتهد هؤلاء الأفاضل في مسائل عديدة فأصابوا وأخطأوا وهم مثابون على خطئهم، فالشافعي مثاب على اجتهاده وإن أخطأ، أما المقلِّدُ له في الخطأ مع علمه بذلك فهو مأزور غير مأجور. إذا كان التقليد واجبًا فلماذا نهى الأئمة عنه؟ ولو اعترض معترض على التقليد اتهموه بأنه يحرض العوام على الاجتهاد قائلين له: أنت مقلد أم مجتهد؟ إن رفضت التقليد لزمك الاجتهاد. وهكذا قصروا الناس على رتبتين وكتموا مرتبة وسطًا بينهما. وهي مرتبة طالب العلم الذي ليس بعامي أمي ولا مجتهد. والشافعي قد برَّأ نفسه من تبعة المقلدين العميان فحذر من تقليده: كما روى عنه المزني في أول مختصره أنه كان ينهى عن تقليده وتقليد غيره ويقول: « إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله  فقولوا بها، ودَعوا ما قلتُه » [سير أعلام النبلاء 10/34 و78، مناقب البيهقي 1/472]. وقال: « كلّ ما قلتُ فكان عن النبي  خلاف ما قلتُ مما يصح: فحديث النبي أولى فلا تقلدوني ». وقال: « أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله  لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحد » [المجموع شرح المهذب 1/108 سير أعلام النبلاء 10/33 آداب الشافعي ومناقبه 69 للرازي تحقيق عبد الغني عبد الخالق]. فهل يعي مقلدو الشافعي تحذير الشافعي؟! ولكن: وكما حكى الزبيدي: أن المقلدة عصت الله في قوله:  وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه  [الآية 7 من سورة الحشر] وعصت الرسول في قوله:  فَاتَّبِعُونِي  [الآية 31 من سورة آل عمران] وعصت إمامهم في قوله: « خذوا بالحديث إذا بلغكم، وأضربوا بكلام الحائط » [إتحاف السادة المتقين 3/ 437]. العز بن عبد السلام يمقت التعصب المذهبي قال رحمه الله: « ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مذهب إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والقياسات الصحيحة لمذهبه جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيّل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة: نضالاً عن مقلده … قال: « وما رأيت أحدًا رجع عن مذهب إمامه، بل يُصِرُّ عليه مع علمه بضعفه وبُعده .. وإذا عجز عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه … فسبحان الله ما أكثر من أعمى التقليدُ بصره، حتى حمله على مثل ما ذكرتُه، وفقنا الله لاتباع الحق أينما كان، وعلى لسان من ظهر، وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام، ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر من لسان الخصم » [قواعد الأحكام 2/135 – 136]. انتهى كلامه رحمه الله. الرازي يشكو من التقليد الأعمى وروى الرازي في تفسيره الكبير عن شيخه أنه قال: « شاهدتُ جماعةً من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إليّ كالمتعجب: كيف يمكن العمل بظاهر الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها! قال: ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريًا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا ». وقال الرازي: « الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم » [تفسير الرازي 4/431]. وقد بلغ التقليد بقوم أن صار كلام شيخهم دائرًا في أتباعه يدرسونه كما يدرسون كلام الله، وأكثرهم لا يفقهونه، بل كلما كانت عبارات شيخهم أبعد عن الفهم كلما كانوا أشد تعظيمًا لها، وقالوا: كلامه أعلى شأنًا من مداركنا .. بل إذا كفّر شيخُهم عالماً قلدوه في تكفيره. التقليد: تارة واجبًا وتارة كفرًا! التقليد في العقائد كفرٌ عند الأشعري، وخالفه أئمة الحنفية من الماتريدية فرأوا أن المقلد في العقائد لا يكفر مطلقًا. غير أننا من الناحية العملية نجد كلا الفريقين يقلدون سواء في الأحكام أو في العقائد. الحالات التي يجوز فيها التقليد وكيف نستفيد من الجهود القديمة ونطورها ولا ريب أن العلماء الماضين قد بذلوا غاية الجهد في تحقيق المسائل وتجميعها، وقدموا في ذلك خلاصة جهدهم وبحوثهم لنا، فلم يبق علينا إلا النظر في اجتهاداتهم ومقارنة أدلتهم بعضها ببعض ثم ترجيح الأصح منها، ومن الخطأ الفاحش اعتبار ما صولوا إليه من تلك الأحكام فاصلاً نهائيًا لا معقب لحكمهم فيها ولا استئناف وغير قابلة للنقاش. فلقد تم فحص الأحاديث وغربلتها وجمعها بما لم يكن متيسرًا من قبل، ولا ننسى أن الأحكام الفقهية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحديث صحة وضعفًا، ولقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بحديث « لا ربًا بين مسلم وبين كافر حربي » وبنى عليه جواز أخذ الربا من الكافر الحربي، ولعله لم يتفطن إلى أن الرواية في ذلك غير صحيحة، ونحن نجزم أنه لو تبين له ذلك لترك الاحتجاج بها بناء على قوله رضي الله عنه: « نحن قوم نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا » يعني إذا تبين لنا خطأه. قد علمنا أن معنى كلمة الشافعية أي الذين ينتمون إلى الشافعي. ولكن إلى أي مذهب كان ينتمي الشافعي نفسه؟ هل كان الشافعي شافعيًا أم حنفيًا أم مالكيًا أم حنبليًا؟ لندعه يعلن بنفسه عن مذهبه فيقول: « إذا صح الحديث فهو مذهبي » [سير أعلام النبلاء 10/35]. وأعني على وجه الخصوص أولئك الذين أوتوا نصيبًا من العلم ثم فضلوا التقليد كأمثال البوطي الذي يدعو بصراحة إلى تقليد المذاهب وإن كان فيها ما يخالف صريح الكتاب والسنة. وهؤلاء أوجبوا التقليد وحرّموا الاجتهاد وللسيوطي كتاب في الرد على من يحرم الاجتهاد بعنوان: « الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر ». ومعلوم أن كثيرًا من الأئمة دخلوا على خط المذهب وأبدوا بآرائهم وترجيحاتهم وصارت فيما بعد معتمدة في المذهب الشافعي، واختط قول الشافعية بقول الشافعي. وهكذا في المذاهب الأخرى. القدوة السيئة أمام غير المسلمين إن القدوة السيئة التي يراها عامة المسلمين من: الدروشة والرقص الصوفي في المساجد وتحكم المشايخ في العامة على طريقة بابوات النصرانية. والتعصب والجمود المذهبي في الفقه الذي سد الطريق أمام وسائل العلم، حتى إن الشيخ محمد عبده بات يشكو من محاولة شيخ الأزهر عليش طعن الشيخ السنوسي بحربة لولا أن هذا الأخير هرب من القاهرة، وذلك لأنه أراد ربط المذهب المالكي بالكتاب والسنة مباشرة [كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم للشيخ محمد عبده 103-109]. مناهج علم الكلام والجدل التي تجادل في العقائد على طريقة الرياضيات كل ذلك كان السبب وراء إعراضهم عن الدين وتعلقهم بالنظم الوضعية وتبنيهم للنظريات والفلسفات الآتية من الغرب كالرأسمالية والشرق كالشيوعية والاشتراكية، وهم لم يعرفوا الإسلام بصورته النقية الصحيحة، وإنما رأوه مشوبًا بالبدع والشرك فظنوا هذا الخليط هو الإسلام. إن مسؤولية إعراض هؤلاء ملقاة على عاتق المبتدعة الذين شوهوا الدين في أعين الناظرين ونفّروا منه غاية التنفير. وما لم ننفض هذا الركام فلن يتبدل هذا الحال المتردي. قال الراجز: وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل فيه دليل الأخذ بالحديث وذاك في القديم والحديث قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام أخذًا بأقوالي حتى تعرضا على الكتاب والحديث المرتضى ومالك إمام دار الهجرة قال: وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتم قولي مخالف لما رويتم من الحديث فاضربوا الجدارا بقولي المخالف الأخبارا وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا فانظر ما قالت الهداة الأربعة وخذ بها فإن فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي صلى الله عليه وسلم التمذهب والتعصب الأعمى في أحلك صوره لقد قال مقلدة الأحناف: يجوز للحنفي أن يتزوج من الشافعية ولا يجوز للشافعي أن يتزوج الحنفية. نُنزلهم منزلة أهل الكتاب [الفتاوى البزازية على هامش الفتاوى الهندية 4/112 والبحر الرائق 2/46]. وقال مقلدة الشافعية: يجوز للشافعي أن يتحنّف، ولا يجوز للحنفي أن يتشفع [الفوائد البهية للكنوي 32 والدر المختار 4/80 وإرشاد النّقاد 147 وكشف الظنون 1/612-618 وتحفة الأنام للسندي 45-47]. قال السيوطي: « من أدى صلاته على مذهب الشافعي كان على يقين من صحتها، ومن صلاها على مذهب مخالف وقع الخلاف في صحة صلاته » [جزيل المواهب في اختلاف المذاهب 14 مخطوطة]. ولهذا قال العلائي: « ولقد رأيت في طوائف المذاهب من يبالغ في التعصب بحيث يمتنع بعضهم عن الصلاة خلف بعض » [نقد الطالب 118]. ونقل ابن الهمام عن أبي اليسر البزدوي عدم جواز اقتداء الحنفي بالشافعي في الصلاة، واشترط بعضهم لصحة الاقتداء به أن لا يكون شاكًا في دينه، كأن يقول: « أنا مؤمن إن شاء الله » [فتح القدير 1/311-312 وشرح العناية على الهداية للبابرتي، على هامش فتح القدير 1/310 الفوائد البهية للكنوي 216 – 217]. وحكى النووي عن الاسفرائييني أنه لا يصح اقتداء الشافعي بالحنفي في الصلاة لعدم استيفاء الحنفي شروط الوضوء والطهارة. وعجيب أن نرى تأييد النووي لهذا القول [انظر المجموع 1/258 و 4/184]. وكان بعضهم يتطاول على أهل المذهب الآخر ويلعنونهم على المنابر [سير أعلام النبلاء 19/ 8] وأدى هذا التعصب إلى حروب طاحنة بين الشافعية والحنفية بمدينة أصفهان أدت إلى خراب البلاد ونهب البيوت [معجم البلدان ليقاوت الحموي 1/273 و4/355 ط الخانجي]. وكان إذا مرّ شافعيٌ بين متعصبة الحنابلة أغروا به العميان حتى يكاد يموت [الكامل لابن الأثير 8/308]. وكانت العطاءات والمناصب تُقسَّم على من يتمذهب بالمذهب الحنفي حتى اضطر جمعٌ من الشافعية للتحول إلى المذهب الحنفي [الدرر الكامنة 4/ 439]. وكان محمد بن موسى الحنفي قاضي دمشق (توفى 506ه‍) يقول: « لو كان لي أمر لأخذتُ الجزية من الشافعية » [ميزان الاعتدال 4/52]. وفي كتاب مراقي الفلاح حول حكم ماء البئر النجس « فإن عجن بمائها يُلقى للكلاب، أو يُعلف به المواشي، وقال بعضهم يُباع لشافعي » [مراقي الفلاح 21 – 22]. المسيح والمذهب الحنفي وحتى قال الحفصكي: « والحاصل أن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن. وقد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام، إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام » [الدر المختار شرح تنوير الأبصار 1: 55 – 56]. وزعم السرهندي أنه رأى الخضر والياس وأخبراه أنهما يصليان وراء قطب المدار على المذهب الشافعي لكونه شافعي المذهب ولكن إذا نزل المسيح عيسى عليه السلام سيعمل بمذهب أبي حنيفة [مكتوبات الإمام الرباني السرهندي 305 المكتوب رقم (282)]. الله يأمر بالمذهب الشافعي!! قال السبكي –قدوة المتعصبين-: « قال أبو المظفر: لما اختلج في ذهني تقليد الشافعي وزاد التردد عندي رأيت رب العزة في المنام فقال: عد إلينا يا أبا المظفر. فانتبهت وعلمت أن الله يريد مذهب الشافعي فرجعت إليه » [طبقات السبكي 5/338 محققة]. أو يصدق مسلم أن الله يأمر بذلك وكأن اتباع المذاهب الأخرى سبب من أسباب البعد عن الله! الخضر يصلي على المذهب الشافعي ويزعم السرهندي أن الخضر أفاده بأن كمالات الولاية موافقة لمذهب الشافعي وأن كمالات النبوة موافقة لمذهب الحنفي [نفس المصدر] ولكن مع أن الله قد أعفاه من الشرائع إلا أنه يقتدي في صلاته وراء قطب المدار بالمذهب الشافعي. -لكنه حنفي عند الشعراني وكان يحضر مجلس فقه أبي حنيفة - بيد أن عند الشعراني كشفًا من نوع آخر مناقضًا لكشف السرهندي فقد زعم في كتابه معارج الألباب أن بعض شيوخه ذكروا له أن الخضر كان يحضر مجلس فقه أبي حنيفة بعد صلاة الصبح، فلما مات أبو حنيفة سأل الخضر ربَّه أن يردّ روح أبي حنيفة حتى يتم للخضر إتمام علم الشريعة، فكان بعد ذلك أن صار يأتي الخضر قبر أبي حنيفة ويتلقى منه علم الشريعة وهو داخل القبر [معارج الألباب 44]. عاقبة التنقل من مذهب إلى آخر وقد حرم أصحاب المذاهب الانتقال من مذهب إلى آخر. حتى قال بعضهم: إن المنتقل يُعزَّر. ومع هذا فقد كان يحدث شيء من هذا التنقل: - فكان الملك عمر بن علي بن رسول حنفيًا في أول الأمر ثم صار شافعيًا بسبب رؤيته للنبي  وهو يقول له: يا عُمر: صِرْ إلى مذهب الشافعي، فاعتمد حينئذ مذهب الشافعي [العقد الثمين للفاسي 6/348]. - ورأى محمد الكاشغري النحوي (توفي 705) في الرؤيا يوم القيامة والناس يدخلون الجنة، قال فعبرتُ مع زمرة فجذبني شخصٌ وقال: يدخل الشافعية قبل أصحاب أبي حنيفة، فأردت أن أكون مع المتقدين. وكانت هذه الرؤيا المنامية سبب تحوله إلى المذهب الشافعي [بغية الوعاة 1/230 طبقات المفسرين للداودي 2/245]. - غير أن القاضي شمس الدين المعروف بابن زهرة (توفي 830) كان أبوه شافعيًا، ثم عدل عن مذهب الشافعي إلى المذهب الحنبلي بسبب رؤيا منامية أيضًا رأى أحدهم فيها النبي  وهو يقول: « إن خالدًا سيكون له ولدٌ حنبلي » فتخلى عن الشافعية وانكبّ على كتب الحنابلة! - وكان إبراهيم بن محمد بن محمود برهان الدين يلقب ب‍ « النّاجي » لنجاته من المذهب الحنبلي إلى المذهب الشافعي [الضوء اللامع 1/166] قال بكر بن أبي زيد: « ومعنى هذا أن من لم يترك مذهب الحنابلة في الأصول فليس ناجيًا، نسأل الله السلامة ونعوذ به من انقلاب المفاهيم » [النظائر 140]. - وكان محمد بن حمد بن خلف أبو بكر حنبليًا ثم تحول إلى المذهب الحنفي ثم انتقل إلى المذهب الشافعي ولهذا لقّبوه « حنفش » اختصارًا لأسماء المذاهب الثلاثة. قال الحافظ: « تحنبل ثم تحنف ثم تشفع فلذلك لُقِّب حنفش » [لسان الميزان 5/168 تبصير المنتبه 2/541 وميزان الاعتدال 3/528]. الأحناف مغفور لهم!!! ويزعم الهمداني فيما نقله الكردي أن الله نادى أبا حنيفة قائلاً: « غفرنا لك ولمن كان على مذهبك إلى يوم القيامة » [مناقب أبي حنيفة للكردري 2/62]. أي المذاهب أفضل بينما نرى الجويني يطعن في المذهب الحنفي ويكتب كتابًا اسمه مغيث الخلق يوجب فيه على الناس اتباع مذهب الشافعي ونبذ ما سواه من المذاهب. ومما قاله فيه: « من انغمس في مستنقع نبيذ، ولبس جلد كلب غير مدبوغ وأحرم بالصلاة مبدلاً بصيغة التكبير تركيًا أو هنديًا، ويقتصر في القرآن على ترجمة (مدهامتان) ثم يترك الركوع وينقر نقرتين لا قعود بينهما، ولا يقرأ التشهد، ثم يُحدث (يضرط) عمدًا في آخر صلاته بدل التسليم، أو انقلت منه (الضراط) فيعيد الوضوء في أثناء صلاته…» قال الجويني: « والذي ينبغي أن يقطع به كل ذي دين أن مثل هذه الصلاة لا يبعث الله بها نبيًا…» وقد زعم (أي أبو حنيفة) « أن هذا القدر أقل الواجب، فهي الصلاة التي بعث الله النبي  وما عداها أدابٌ وسنن ». فانبرى له الكوثري ينافح عن المذهب الحنفي وكتب رسالة أسماها: « إحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الخلق » رد فيها على الجويني. وهذا من نتائج التعصب المذهبي المقيت. ضياع إيران سببه التقليد وكان من أسوأ ثمرات هذا التعصب ضياع إيران حين تشيع ملكها خرابنده وأمر الناس بالتشيع بسبب تشدد أصحاب المذاهب في مسألة طلاقه من زوجته، وقد استغل العالم الشيعي ابن مطهر الحلي الموقف فأظهر له مرونة المذهب الجعفري وجمود غيره من المذاهب حتى فقدنا إيران السنّيّة وانقلبت شيعيّة. الاستشهاد بالحاشي والمحشي دون الحديث والقرآن وتمر عشرات الصفحات فلا نرى أثرًا من آية أو حديث، ولو راجعنا على سبيل المثال كتاب « بغية الطالب الصفحات 83 – 100» للحبشي لوجدناها خالية من آية أو حديث. بينما تمتلئ بالنقول من الحواشي على المتون، والمتون على الحواشي ويكثر من النقول عن الشرنبلالي والكردي والشرقاوي والشبراملسي على الرملي والميهي على الستين، من غير أن يتعرض للدليل الذي اعتمدوا عليه وهو لا يحيل إلى أرقام الجزء والصفحة. أصول المذهب أهم من أصول الدين قال أبو زيد الدبوسي: « الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفًا لنفس الأصول مثل ما روي عن النبي  أنه أوجب الوضوء من مس الذكر، لم يقبل أصحابنا هذا الخبر لأنه ورد مخالفًا للأصول » [تأسيس النظر 141]. وقال الكرخي في الأصول: « أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تُحمَلُ على النسخ أو الترجيح والأولى أن تُحمل على التأويل » [الأصل للكرخي 152 ملحقة بتأسيس النظر للدبوسي] وهكذا بات قول الكرخي والدبوسي وصمة عار في المذهب لأنه يجعل نصوص الكتاب والسنة تبعًا لأصول المذهب الحنفي، وكأنه عند التنازع يجب الرد إلى أصول المذهب وليس إلى الله ورسوله. قال صاحب كتاب الهداية (1/462) عند الحديث عن موقف الإمام في الصلاة على الجنازة « ويقوم الذي يصلي على الرجل والمرأة بحذاء الصدر لأنه موضع القلب، وفيه نور الإيمان، فيكون القيام عنده إشارة إلى الشفاعة ». قال هذا مع أنه ذكر حديث أنس الصحيح الصريح بأن من السنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل، ووسط المرأة، ومع ذلك قدّم الرأي السابق عليه. وقال صاحب شرح العناية على الهداية الحنفي (1/225) على هامش فتح القدير: « إن حضورهن (أي النساء) إلى صلوات الجماعات متروك بإجماع المتأخرين » وقال صاحب فتح القدير مثل قوله، مخالفًا بذلك الحديث الصحيح: « لا تمنعوا نساءكم المساجد » [البخاري (900) ومسلم (442)]. وقد قالها من قبل ولدٌ لعبد الله بن عمر: « فإني أمنعهنّ » فقال له أبوه: « أقول لك قال رسول الله وتقول لي هذا؟ والله لا أكلمك أبدًا » فما كلّمه حتى مات. الانحطاط الخلقي بين الفقهاء ومن صور الانحطاط الخلقي بين الفقهاء ما نراه عند الجباوي والشرنبلالي وهما من الفقهاء المتأخرين حيث قالا « والأحق بالإمامة السلطان أو نائبه… فالأحسن خُلُقًا فالأحسن وجهًا فأكثرهم بشاشة فالأحسن صوتًا فالأحسن زوجة فالأكثر مالاً فالأنظف ثوبًا، فالأكبر رأسًا فالأصغر عضوًا » [كتاب رفيق الأسفار 43]. ألفاظ فقهية فاسدة ونرى آثار الفساد المنهجي في الفقه وثمراته السيئة تتجلى في كلام الحبشي الذي قال: « خروج المني أي ظهوره إلى ظاهر الحشفة ووصوله إلى ظاهر فرج البكر، أو وصوله إلى ما يظهر من فرج الثيب عند قعودها على قدميها. وعلامة المني التي يُعرف بها: التدفق أي الانصباب بشدة أو التلذذ بخروجه أو ريح طلع النخل أو العجين في حال الرطوبة، وريح بياض البيض بعد الجفاف وهي علامة مشتركة بين الرجال والنساء. والجماع: هو إيلاج الحشفة أو قدرها من فاقدها في فرج ولو دبرًا أو فرج بهيمة أو ميتة فلا يجب غسل الميتة من ذلك. والنفاس هو الدم الخارج بعد الولد ولو مجة أي قدر بزقة » [الدليل القويم 70]. وهكذا تجد التفصيل إلى درجة التجرد من أدنى درجات الحياء. قارن قلة الحياء هذه بقول النبي  حين سألته امرأة عن كيفية الطهارة من الحيض فقال: « سبحان الله، تطهري ». موجبات الغسل عند الباجوري وذكر الباجوري [حاشية الباجوري على ابن القاسم 1/72] من موجبات الغسل « إنزال المني سواء من طريقه المعتاد أو من غيره، كأن انكسر صُلبه فخرج منيّه ». قال: « ولو شق ذكره قسمين فأدخل أحدهما في زوجة والآخر في زوجة أخرى وجب الغسل عليه دونهما ». « ولو كان له ذكران أصليان أجنب بكل منهما…» « ولو دخل رجلٌ فرج امرأة وجب عليهما الغسل…». « والفرج: أيُّ قُبُلٍ أو دُبُرٍ ولو من نفسه، كأن أدخل ذكره في دُبُره فيجب عليه الغسل ». « ولو أدخل ذكره في ذكرٍ آخر وجب الغسل على كل منهما ». الكعبة تزور الأولياء في الله قال ابن عابدين: « وفي البحر عن عدة الفتاوى: الكعبة إذا رُفعت عن مكانها لزيارة أصحاب الكرامة، ففي تلك الحالة جازة الصلاة إلى أرضها » [حاشية ابن عابدين 1/302 المطبعة الأميرية]. وهذه دعوى يروّج لها مشايخ الضلال فقد زعموا أن النبي  جاء ومعه الكعبة قصدًا لزيارة الشيخ الرفاعي في موطنه بقرية أم عبيدة [إرشاد المسلمين 84 روضة الناظرين 59 إحياء علوم الدين 1/269]. وزعموا أن الكعبة أتت ابنَ عربي هي والحجر الأسود، وطافت حوله ثم تلمذت له وطلبت منه ترقيتها إلى المقامات العليا فرقّاها وناشدها أشعارًا وناشدته [جامع كرامات الأولياء 1/120]. وأنها كانت تطوف بالشيخ إبراهيم المتبولي والشيخ أبو بكر العردوك [جامع كرامات الأولياء 1/245 و257]. ولما طغى هذا المنهج على الأمة تغير سلوكها وخلقها ومنهجها، وتحجرت العقول وتخلفت أمتنا وسبقتها الأمم الأخرى، وصرنا نتساءل لماذا تراجعنا وسبقنا غيرنا؟ وهكذا هوى التقليد بالأمة إلى الدركات السفلي، في حين كان عليها أن ترتفع بالعلوم كما قال تعالى:  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ  [الآية 11 من سورة المجادلة]. واتخذ الناس من أئمة المذاهب ذريعة للتقليد الأعمى وصاروا يقلدونهم في كل شيء إلا في قولهم « لا تقلدوني ». اتهامات الحبشي لابن تيمية وقد نسب الحبشي إلى ابن تيمية جملة من الافتراءات واتهمه باتهامات شتى لم يُحِلْ فيها إلى كتاب من كتب ابن تيمية وننتظر منه ذلك. وربما أحال إلى بعض النصوص التي يُحملّها ما لا تحتمل، أو يوردها مقطوعة مبتورة على طريقة لصوص النصوص. وشهادة الحبشي وأتباعه مردودة لقوله  : « لا تُقبَل شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمرٍ على أخيه المسلم » [رواه أبو داود وابن ماجة بسند قوّاه الحافظ في التلخيص 4/198]. وذو الغمر: ذو الحقد، والحقد المذهبي أعمى تُرَدّ به شهادتهم في حق ابن تيمية. فاجتمعت فيهم الصفتان في الحديث: الخيانة المعروفة عنهم. والحقد المذهبي الذي امتازوا به. وهذه الألسن التي تطعن هي نفس الألسن التي تمدح الظالمين وتدخلهم على حسابها إلى بيت الإسلام. فمن أثنى على هؤلاء فلا يؤخذ بشهادته في أولئك. وهذه الألسن هي التي تطعن في سلف الأمة كمعاوية ومن وافقه من الأصحاب، وليس ابن تيمية بأفضل عند أهل السنة من معاوية، والعلم عند الله. ولا يدري هؤلاء أنهم بطعنهم بابن تيمية إنما يطعنون بأنفسهم، وجرحهم له تجريح لأنفسهم ولكنهم لا يفقهون. فيوم أن طعن ابن معين في الشافعي قائلاً « ليس بثقة » قال الذهبي: « فقد آذى ابن معين نفسه بذلك، ولم يلتفت أحد إلى كلامه في الشافعي ولا إلى كلامه في جماعة من الأثبات، كما لم يلتفتوا إلى توثيقه بعض الناس ». وإليكم مجموعة من الافتراءات التي اختلقها: زعم أن ابن تيمية يشبّه الله بخلقه. مع أنه نقل عن السبكي أن كلامه يقتضي تشبيه الله بخلقه [المقالات السنية 15]، ومعلوم أن طريقة غلاة التنزيه: (التأويل) وإثبات الصفات من غير تأويل لها يقتضي التشبيه عندهم، مع أن لازم المذهب ليس بمذهب. فهل صرح ابن تيمية بالتشبيه أم قال ما يقتضي ذلك عند الحبشي؟! هكذا تفتقد الأمانة العلمية عند أهل البدع. وزعم أنه قال: أن النبي  ليس له جاه [المقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية 16 و 76]. اكتفى بذلك من غير أن يحيل إلى شيء من كتب ابن تيمية. ويأبى الله إلا أن يكشف كذب الحبشي، فقد قال ابن تيمية: « وقد اتفق المسلمون على أنه  أعظم الخلق جاهًا عند الله، ولا شفاعة أعظم من شفاعته » (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة7). وزعم أن ابن تيمية قال: « لا مانع أن يكون نوع العالم غير مخلوق لله [الدليل القويم 160] وأنه كذاب أفّأك لدعواه أن السلف قالوا: "إن الله ينزل ولا يخلو منه العرش" [المقالات السنية 24] مع أن القاضي أبا يعلى ذكر للسلف ثلاثة أقوال: أولها أن نزوله بحركة وانتقال وهو قول عبد الله بن حامد وحرب الكرماني والدارمي وابن راهويه وسعيد بن منصور، والثاني أنه بغير حركة وانتقال وهو قول أبي الحسن التميمي والثالث وهو لا يخلو منه العرش: قول ابن بطة وغيره. وزعم أن ابن تيمية قال: « إن الله مركبٌ مفتقر إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء [المقالات السنية 76]. وأنه « بقدر العرش: لا أكبر منه ولا أصغر منه ». وأنه وأتباعه يُكَفِّرُون [المقالات السنية 26] المتوسلين بالرسول  . وأنه جعل زيارة الأنبياء والصالحين بدعة بل معصية بالإجماع [المقالات السنية 73] وأنه نقض إجماع المسلمين فقال إن نار جهنم تفنى [المقالات السنية 57 و 76]. ولكن لماذا لم يُحِل الحبشي إلى شيء من كتبه؟ الجواب ببساطة لأنه لا يوجد شيء مما يزعم. وزعم تلميذه (نزار حلبي) أن « ابن تيمية رأس التطرف في القرن الثامن الهجري حيث كفّر كل المسلمين باختلاف مذاهبهم ومشاربهم » [مجلة منار « الهدى » 29/5]. ونسي أن يحيلنا إلى الكتاب الذي قال فيه ذلك! عصبية ابن الهيتمي وسبقه إلى هذه الاتهامات أحمد المكي الهيتمي عفا الله عنه حيث رمى ابن تيمية بالعظائم والمفتريات وزعم أنه عبدٌ أضله الله … الخ. وهذا ما دعا الآلوسي رحمه الله إلى أن يكتب كتابًا بعنوان (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين) قارن فيها بين ادعاءات الهيتمي وبين أقوال أهل العلم ورد على هذه الاتهامات التي نسبها إليه الهيتمي ظلمًا، وطالبه بالدليل عليها من كتب ابن تيمية، ثم ختم كتابه بقوله « قد ظهر لك من جميع ما تقدم أن الشيخ ابن حجر الهيتمي نسب إلى شيخ الإسلام كثيرًا من الأقوال التي لا أصل لها، ولا سند في نقلها » [جلاء العينين في محاكمة الأحمدين 526]. بل يظهر لك تعصبه رحمه الله حين صب جام سخطه على شيخ الإسلام زاعمًا أنه ارتكب العظائم. ولعلك تسأل ما هي هذه العظائم: يقول الهيتمي: « فإنه وقع في حق الله تعالى ونسب إليه العظائم كقوله إن لله تعالى جهة ويدًا ورجلاً وعينًا وغير ذلك من القبائح الشنيعة » [حاشية ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح ص 489 نقلاً عن المقالات السنية للحبشي ص 94]. ولا يخفاك أيها المنصف أن هذه التي يصفها الهيتمي بالعظائم والقبائح ليست من اختلاق ابن تيمية بل هي مما وصف الله به نفسه ورسوله  كقوله تعالى لإبليس:  مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ  [الآية 75 من صورة ص]. وقول النبي  أن الله « كتب التوراة بيده ». وقوله عن الدجال: « إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور ». وأن جهنم « لا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها رجله [قدمه] فتقول قط قط ». الهيتمي والباقلاني يرجحان إيمان فرعون وموقفه الشديد من ابن تيمية يقابله لينٌ ورِقّة تجاه أهل الكفر. فلقد عاتب الهيتمي ابنَ عربي عتابًا رقيقًا لاعتقاد هذا الأخير بإيمان فرعون قائلاً [الزواجر 1/33]: « فنحن وإن كنا نعتقد بجلالة ابن عربي فقوله بإيمان فرعون مردود » وكان حريًّا به أن يُغلظ له القول. ولكن وكما يقول الشاعر: فَرصاصُ من أحبَبتَه ذهبًا كما ذَهَبُ الذي لم تَرْضَ عن رصاصُ فإن هذا القول من مستشنعات الصوفية أخذوه عن أئمة الزنادقة كابن عربي، وزينه الشيطان لهم فبرّؤوا به ساحة فرعون. بل قد نقل الزبيدي عن ابن حجر المكي الهيتمي أن ظاهر الآية يفيد وجود إيمان فرعون، ونقل عن الباقلاني قوة دليل من استدل بالآية على إيمان فرعون [إتحاف السادة المتقين 2/246]. الزبيدي والقاري يثبتان قول ابن عربي بإيمان فرعون قال المرتضى الزبيدي: « وممن قال بإيمانه –أي فرعون- الشيخ محي الدين بن عربي في مواضع من فتوحاته وفصوصه: لا يستريب مطالعهما أنه كلامه وأنه غير مدسوس عليه » وقد رد على الشيخ عبد الوهاب الشعراني زعمه أن هذا الكلام مدسوس على ابن عربي. قال: « وممن شنع على الشيخ محيي الدين ابن المقري صاحب الإرشاد والحافظ ابن حجر وتلميذه البقاعي ومن المتأخرين ملا علي القاري من الحنفية والذي يصف ابن عربي بأنه زنديق منافق إمام الاتحادية [الرد على القائلين بوحدة الوجود 56 و60 وانظر 64 تحقيق علي رضا ط: دار المأمون للتراث. دمشق]. وكتب رسالة بعنوان « فر العون من القول بإيمان فرعون » وقال في شرح الفقه الأكبر « وفيه رد على ابن عربي ومن تبعه كالجلال الدواني، وقد ألّفتُ رسالة مستقلة في تحقيق هذه المسألة » [الفقه الأكبر 25 وقال مثله في كتابه "الرد على القائلين بوحدة الوجود" ص 32 و 37]. وحكى عن العلامة ابن نور الدين أنه صنف مجلدًا كاملاً في الرد على ابن عربي [الرد على القائلين بوحدة الوجود 37]. واعترف السرهندي النقشبندي أن ابن عربي أول من صرح بالتوحيد الوجودي وبوّب مسألة وحدة الوجود وفصّلها وقال إن خاتم النبوة يأخذ بعض العلوم والمعارف عن خاتم الولاية وأراد بخاتم الولاية نفسه [مكتوبات الإمام الرباني 287]. أي أن محمدًا  يأخذ العلم من ابن عربي. وممن ذهب إلى تأييد كلامه في وحدة الوجود شُرّاح الفصوص الجنيد والكازروني والقيصري والجامي وعلي المهايمي والجلال الدواني وعبد الله الرومي وللكازروني كتاب بالفارسية سماه « "الجانب الغربي" ردّ فيه على من اعترض على الشيخ ابن عربي منها هذه المسألة » [إتحاف السادة المتقين 2/246]. وقد عرض بعض الصوفية على يهودي (بعد أن أسلم) أن يوافقهم باعتقاد إيمان فرعون فصرخ فيهم قائلاً: قد كنت أقول بكفره حين كنتُ يهوديًا أفأقول بإيمانه بعد أن أسلمتُ! وقد جعله النبي  أنموذج الكفر وقدوة الجبابرة والطغاة، فلما مات أبو جهل جعل  يشير إلى جثته ويقول: « هذا فرعون هذه الأمة » فكيف يشبّه النبي أبا جهل برجل مؤمن؟! ولو كان ابن تيمية هو القائل بإيمان فرعون لتوقعنا حينئذ من الهيتمي أن يقول: « وهذا من ابن تيمية كُفرٌ، فإن القرآن والسنة يشهدان بِكُفرِ فرعون، وكل من شك في كفره فهو كافر، لأن من لم يُكَفِّر كافرًا فقد كفر ». لكنه لتحيزه لابن عربي وتعصبه له لا يقول بمثل ذلك لأنه من الأولياء عنده. نعوذ بالله من التعصب المقيت. ولا ننسى أن الهيتمي من أهل الغلو الصوفية القائلين بأزلية نور النبي  وزعموا أن الله أخذ قبضة من نوره قبل أن يخلق الخلق وقال لها كوني محمدًا. وقد حكى عنه الحبشي هذا الاعتقاد في النبي  [الدليل القويم 179]. لكنه لم يلزمه بالقول بقدم شيء مع الله. مع أن العقيدة الحبشية أن من الكفر « قول إن محمدًا خُلِق من نور » [منار الهدى 34 / 25]. وكان يميل بعصبية إلى قول من زعم أن الله أحيا أبوي النبي  حتى أسلما [الزواجر 1/33]، ومعتمده في ذلك الأحاديث الضعيفة المخالفة للصحيحة مثل قول النبي  : « استأذنتُ ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي » [رواه مسلم (976)] وقوله لرجل: « إن أبي وأباك في النار » [رواه مسلم (203) باب أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين]. فموقفه المؤيد لابن عربي الاتحادي وغلوه في النبي حتى جعل نوره أزليًا، ووافق من زعموا أن القول بكفر أبويه قلة أدب في حقه  :كل هذا يُلحقه بالغلاة الذين لا يؤخذ منهم جرح ولا تعديل ولا يجوز تقديم تجريحهم على تعديل العدول لابن تيمية كالعسقلاني والذهبي والحافظ المزي وابن كثير والزملكاني والسيوطي رحمهم الله. موقفه من ابن عربي دليل على الظلم وقبل الدخول في تفاصيل الرد على هذه الافتراءات الجائرة أود لقت نظر القارئ إلى أن الحبشي وجماعته يكفّرون من لا يستحق التكفير (كابن تيمية) ويدافعون عمن ثبت تكفيره من قِبَل معاصريه: كابن عربي الذي حكم عليه معاصره: العز بن عبد السلام (سلطان العلماء) بالزندقة والانحلال وذلك حين سأله عنه ابن دقيق العيد فأجابه قائلاً (ابن عربي) « شيخ سوءٍ كذّاب، يقول بقدم العالم ولا يحرّم فرجًا » [سير أعلام النبلاء 23/48 – 49 ورسالة القاري في الرد على القائلين بوحدة الوجود ص 34]. وقد اعترف ابن حجر الهيتمي بأنه كان يصرّح بإيمان فرعون [الزواجر 1/35]. واتهمه الحافظ ابن حجر العسقلاني وابن حيان النحوي بالقول بوحدة الوجود المطلقة والتعصب للحلاج [لسان الميزان 2/384 تفسير البحر المحيط 3/449]. واتهمه السخاوي بالقول بوحدة الوجود وأنه من جملة الاتحادية المحضة القائلين بوحدة الوجود بين الله وخلقه كالحلاج وابن الفارض، وعاتب ابن قطلوبغا وابن الغرس لمناضلتهما عن ابن عربي بالرغم مما كان معروفًا عن ابن قطلوبغا من حسن العقيدة [الضوء اللامع 6/186 و9/220 – 221]! وذكر النبهاني أنه كان يقول بأن الأولياء ينتقلون إلى مقام كريم يقولون للشيء كن فيكون [جامع كرامات الأولياء 1/32]. وذكر السرهندي أنه كان يقول بقدم أرواح الكمل من المشايخ وأن ترتيب الخلفاء كان بحسب أعمارهم. واعترف أن أكثر كشوفاته تأتي مخالفة لعقيدة أهل السنة ولا يتابعها إلا مريض القلب [مكتوبات الإمام الرباني السرهندي الفاروقي 264 و 277 ، 303]. وقال ابن المقرّي في ابن عربي: « من لم يُكَفِّره كان كمن لم يُكَفِّر اليهود والنصارى » [الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/ 379] حكاه عنه ابن حجر المكي. غير أنه علق على ذلك بقوله: « وهذا اعتراض منه على ابن عربي وابن الفارض » ثم تساءل عن الدليل الذي يبرر تكفيره! متجاهلاً بذلك ما في الفتوحات والفصوص من مقولات الكفر الصريح في حين يرمي ابن تيمية بسلسلة من التهم ولا يكلف نفسه الإتيان بدليل عليها من كتبه. فأجدر به أن يُلحَق بطائفة المتعصبين الذين لا يؤخذ منهم جرح ولا تعديل.