هل ينتفع الميت بعمل الحي

يجدر التنبيه أولاً إلى أن هذه المسألة حجة على الذين يطلبون المدد من أصحاب القبور. فإنهم إذا كانوا يؤيدون مذهب من قال بانتفاع الميت بدعاء الحي وأن قراءة القرآن يصل ثوابها إليه: فلماذا يحثون الأحياء على طلب الانتفاع من الأموات ودعائهم. فليتركوا طلب الدعاء من الأموات وليبادروا بالدعاء لهم لا من دعائهم. هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور وفي سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: « استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل ».

وكان إذا دفن ميتًا قال: « بسم الله وعلى ملة رسول الله ». ولم يكن يقرأ ولا يأمر بقراءة يس ولا الفاتحة. فلماذا لم يصبح عنده أنه قرأ الفتاحة عند القبور.

إذن فالقراءة على الأموات ليست على ملة رسول الله.

وعن عائشة رضي الله عنها أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ».

وفي رواية: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا…» (مسلم رقم 974 و975 والنسائي 4/91 والموطأ 1/242). وكان إذا دفن ميتًا قال لأصحابه: « استغفروا لأخيكم » (مسلم 951) وفي رواية: « استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل » (رواه أبو داود 3221 وسنده صحيح).

فانظر كيف سأل الرسولُ صلى الله عليه وسلم جبريل عما يقوله، ولم يتبادر إليه قراءة القرآن، ثم سألته عائشة عما تقول عند الاستغفار للميت. وأمره الله أن يستغفر لهم وكان يعلم أصحابه كيفية الدعاء لهم. ولم يثبت أنه علمهم قراءة سورة الفاتحة. ولا أن يلقنهم التلقين المتعارف عليه اليوم: هذه الحرفة الباطلة التي يقتات بها الملقنون الذين اتخذوا من القرآن مطية مادية من غير أن يبالوا ماذا حل بالمسلمين من التشاؤم عند سماع القرآن لأنه صار نعيًا للأموات في الحقيقة.

والآن ننظر: هل فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا مما يفعله الناس اليوم؟ كلا إنه لم يفعل مع كثرة ما دفن. ما ثبت البتة أنه قرأ بل كانت سنته على العكس. فلماذا لا يتفق المخالف معنا على أنت نترك ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفعل ما فعله. أليست السنة تنقسم إلى سنة فعلية وسنة تركية؟ كيف يترك النبي ما ينفع الأمة؟ وأما قول: « قراءة القرآن على القبور رحمة بالميت تركه النبي وتركه الصحابة ». وكيف يقال ترك الرسول شيئًا نافعًا لأمته يعود عليها بالرحمة، فيتركه الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته ولا يقرؤه على ميت مرة واحدة..؟ ألم يقل: « ما من شيء يقربكم من الجنة إلا وقد أمرتكم به. وما من شيء يقربكم من النار إلا وحذرتكم منه ».

إذا كانت القراءة أمرًا نافعًا للميت أليس من باب أولى أن يفعلها نبينا الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم؟ وهو أرحم بأمته من جميع أبناء أمته؟ والله تعالى يقول: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ) فلنتأس به في العمل، كما نتأسى به في الترك. ولماذا نختلف من بعد ما جاءنا العلم بغيًا بيننا؟ ولماذا وقع الخلاف في القراءة على الميت ولم يقع في الدعاء للميت؟ أليس لوجود الدليل الصحيح الصريح في الثاني وانعدامه في الأول؟

إن القرآن ما نزل للأموات وإنما نزل للأحياء لهداية الطريق وشفاء الصدور وتبشيرًا للطائع وإنذارًا للعاصي: ( إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ، وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ).

أما ما يروى عن ابن عمر أنه أوصى بقراءة الفاتحة وخواتيم البقرة على قبره فهو أثر شاذ لم يصح سنده ولم يوافقه عليه أحد من الصحابة. فيما ينفع الإنسان بعد موته. نعم ينتفع الميت بكل ما قرره الشارع في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . ففي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا ما ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ». وينتفع الميت بما جاء في الحديث: « إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته ».

وينتفع الميت بعد موته بسنة حسنة عُمل بها من بعده كما عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: « من سن في الإسلام سنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ».

وينتفع الميت بالصدقة عنه كما روى البخاري أن رجلاً قال للرسول صلى الله عليه وسلم : « إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم ». وأخرج مسلم أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : « إن أبي ترك مالاً ولم يوص فهل يكفي أن أتصدق عنه؟ قال: نعم » لاحظ أن نصوص الحديث لولد الميت وبنت الميتة. وينتفع الميت بدعاء المسلمين واستغفارهم له لقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ) (الحشر: من الآية10) وفي السنن مرفوعًا « إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ».

وهذه الأحاديث مبينة لتفاصيل أصول ما يتبع الميت في الحديث الأول. ويبقى بعد هذا أن نسأل « إذا كان الكل جائزًا ولا فرق أبدًا. فما فائدة تعداد النبي صلى الله عليه وسلم لما ينفع الإنسان بعد موته؟!‍ وما فائدة الشهادة للمبشرين العشرة بالجنة دون سواهم إن كان يجوز الشهادة بالجنة للجميع؟ وقد ذكر الحافظ ابن حجر بأن « ثواب الدعاء والصدقة تصل إلى الميت وأما ثواب الصلاة عليه فلا » (الأجوبة المهمة 36).

لذا كان القول الذي ندين الله به أن ما ورد الشرع بإباحته من حج وصدقة ووفاء مطلق نذر أو سداد دين فإنه مباح لورود الخبر الصحيح به. وما لم يرد فنقول لو شاء الله لقيد من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقراءة القرآن. وأعجب لمن قال: « ولو سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن غيرها كالصلاة… لأجاب بنعم ».

فإن الأسئلة التي كانت توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت بقدر من الله لتعليم الأمة. ولو كان هذا مما يحقق مصلحة للمسلمين ويقربهم إلى الله لسخر الله من يسأل عنه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. هل قراءة الفاتحة على الميت محرمة كيف يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم منع من قراءة الفاتحة على الميت؟ فإن قراءة الفاتحة أول ما نتلوه في صلاة الجنازة، ولكنه لم يشرع لنا قراءتها في غير صلاة الجنازة.

ومن قال بخلاف ذلك فعليه بالدليل. بل ثبت جواز قراءتها على المريض كما فعل الصحابة في لديغ الأفعى فقرؤوا عليه الفاتحة فكأنما نشط من عقال، وأقرهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يثبت قراءتها عن أرواح الأموات حتى صارت فاتحة المناسبات. فالفاتحة عن روح الميت الفلاني والفاتحة على نية تحقق النكاح والفاتحة عند زيارة المقابر! أقوال المفسرين تفسير الإمام ابن كثير قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: ( وأنْ لَيْسَ للإنسَانِ إلاّ مَا سَعَى ) « ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن ابتعه أن القراءة لا يصل ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء.

وهذا يبطل قول الأحباش إن الشافعي كان يجيز القراءة على الأموات (منار الهدى 43/50).

وهناك خلط كبير في نقل الروايات عن أئمة المذاهب فتارة يروون أنهم أقروا ذلك وتارة أنهم منعوه وإذا وقع هذا اللبس لا يعود في الأمر حجة لا سيما عند من يزعمون أنه لا يؤخذ في مسائل الاعتقاد إلا بالروايات المتواترة الصحيحة السند.

فتارة يروي المرتضى الزبيدي أن الشافعي أقره بل وفعله، وتارة ينقض ما قاله في الصفحة التالية فيؤكد أن المشهور من مذهب الشافعي وجماعة من الحنفية المنع من قراءة القرآن على الميت (إتحاف السادة المتقين 10/369 و372).

كما نقل عن السيوطي أن الشافعي خالف جمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول. وعن العز بن عبد السلام أنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ الحي. غير أنه رؤي في المنام وأخبر بأنه غير رأيه. ولا يخفاك أنه لا يتم النسخ بالنوم [إتحاف السادة المتقين 10/372].

فلقد نص العز بن عبد السلام في فتاويه (ص 96 –97) على أنه لم يصح في تلقين الميت شيء وهو بدعة. وأنه لا يصل إلى الميت شيء من الأعمال وأن من خالف في هذا فهو مخالف لنص القرآن: ( وأنْ لَيْسَ للإنسَانِ إلاّ مَا سَعَى ).

وحمل حديث « لقنوا موتاكم لا إله إلا الله » على من دنا موته ويئس من حياته. ثم قال ما يصلح أن يكون ردًا على زعم أنه رأى في المنام أن العز غير فتواه. فقد قال العز في نفس الفقرة: « والعجب أن من الناس من يثبت ذلك بالمنامات، وليس المنامات من الحجج الشرعية التي تثبت بها الأحكام ». ولا يمكن التحقق من أسانيد ما يروى عن الشافعي وإثبات تواترها فحينئذ يرد الأمر إلى الله والرسول.

وأما الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة قال: « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به » فهذه الثلاثة في الحقيقة من سعيه وكدّه وعمله كما جاء في الحديث « إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه ». والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ).

وأما حديث قراءة سورة يس على الموتى فغير صحيح وأنه لم يصح في هذا الباب حديث قط كما قال بذلك المحدث الدارقطني. وقد جعل له الحافظ ثلاث علل كما في التلخيص.

وأما ما اشتهر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع التي اشتهر أمرها وصارت بعدم إنكارها وكأنها من السنن حتى صار المخالف فيها مخالفًا للسنة واقعًا في البدعة.

قال النووي: « وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصل ثوابها وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصح الحج عن الميت والصوم للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور من مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اقرؤوا سورة البقرة في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا » وأيضًا: « صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا ».

فلو كان القرآن يتلى لنفع الأموات لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « اقرؤوا وصلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا » (رواه البيهقي).

وإنما قال هذا لأن القبور ليست محلاً لقراءة القرآن ولا للصلاة، ولهذا لم يرد حديث واحد بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن ولا شيئًا منه مرة واحدةً في حياته مع كثرة زيارته للقبور وتعليمه للناس كيفية زيارتها.

مذهب أبي حنيفة وجاء في شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص 110) « ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله لأنه محدث لم ترد به السنة » وكذلك قال مثله شارح الإحياء (3/280) وقال الفيروزأبادي « قراءة القرآن بدعة مذمومة » (المجموع 10: 427). التلقين: أكل لأموال الناس بالباطل لقد صار القرآن علامة على الحزن والمصيبة، صار علامة على الموت، صار قراء القرآن مصدر نفور الناس كنفورهم من حفّار القبور.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به » [رواه أبو يعلى والطبراني وقال ابن حجر في الفتح "إسناده قوي"].

وقال فيما رواه عمران بن حصين عنه: « اقرؤوا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قومًا يقرؤون القرآن يسألون به الناس ». قال المقدسي في المغني: « فأما التلقين فلم أجد فيه شيئًا عن أحمد. ولا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما رواه الأثرم: قال: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) فماذا يصنعون إذا دفن الميت: يقف الرجل ويقول: يا فلان يا ابن فلان: اذكر الذي فارقت به الدنيا…» قال العراقي في الإحياء (4/492) « رواه الطبراني بإسناد ضعيف ». وقال النووي في المجموع (5/304) « إسناده ضعيف ». وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد 2/324 « رواه الطبراني في الكبير وفيه من لم أعرفه جماعة ».

وأحاديث أهل البدع لا تخلوا من إشكالات وتخبط في أسانيدها المضطربة. قال أحمد: « ما رأيت أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة » وكان أبو المغيرة يروي لهم حديثًا وهو « إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقف أحدكم عند رأسه ثم ليقل يا فلان ابن فلانة » (المغني 2/506 الإنصاف للمرداوي 2/548-549) قال المرداوي في الإنصاف: « والنفس تميل إلى عدمه ».

وفي أصح الروايتين عن أحمد أنه قال: « قراءة القرآن عند القبر بدعة » (المغني 2/566) وأما الرواية الأخرى المنسوبة للخلال وفيها أنه رأى أحمد يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور ففي سندها عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج سقط اسمه من المغني (5/567) ولست أدري هل كان إسقاطه متعمدًا عند الطبع أم لا؟ وأما زعمهم أن أحمد تراجع وكان آخر قوليه الفتوى بجواز القراءة على الأموات فنسألهم: هل التراجع عن الموقف الأول إلى الثاني يلزم منه دائمًا أن يكون الثاني هو الحق والأول هو الخطأ؟ أن هذا استنتاج منكم لا يسلم لكم لأن النووي وابن حجر وغيرهم من أهل العلم حكوا عن أحمد عدم القراءة.

وقول أحمد يخالف قول الشافعي فإذا اختلفوا رجعنا فيما اختلفوا فيه إلى الكتاب والسنة. مذهب الشافعي قال النووي: « وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوها فذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق الميت، ودليل الشافعي ( وأنْ لَيْسَ للإنسَانِ إلاّ مَا سَعَى ) قال: « وفي شرح المنهاج لابن النحوي: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور » (شرح مسلم 1/90 و7/90 و11/85).

قال: « وسئل العز بن عبد السلام عن ثواب القراءة المهدى للميت هل يصل أو لا؟ فأجاب بقوله: ثواب القراءة مقصورة على القارئ ولا يصل إلى غيره. قال: والعجب من الناس من يثبت ذلك بالمنامات وليست المنامات من الحجج » (المجموع 10/426).

قال النووي في حكم وصول ثواب القراءة على الميت إليه: « عند الشافعي وأحمد أنه لا يصل » (المسائل المنثورة للنووي ص 59 ط: دار الكتب العلمية).

وأما رواية الزعفراني التي يحتج بها الأحباش في مجلتهم (مجلة منار الهدى 43: 50) ونصها « سألت الشافعي رضي الله عنه عن القراءة عند القبر فقال: لا بأس به » فقد قال الحافظ ابن حجر: « وهذا نص غريب عن الشافعي » (الأجوبة المهمة ص 23 ط: تحقيق مأمون محمد أحمد وأصل المخطوط في دار الكتب المصرية رقم 1559).

مذهب المالكية قال الشيخ ابن أبي حمزة: « إن القراءة عند المقابر بدعة وليست بسنة ». كذا في الداخل. وقال الشيخ الدردير في (كتاب الشرح الصغير 1/180) : « وكره قراءة شيء من القرآن عند الموت وبعده على القبور لأنه ليس من عمل السلف وإنما كان من شأنهم الدعاء بالمغفرة والرحمة والاتعاظ » وكذلك في حاشية العلامة العدوي على شرح أبي الحسن نقلاً عن المجموع شرح المهذب. وأما حديث « اقرؤوا على موتاكم يس » « فهو حديث معلول مضطرب الإسناد مجهول السند » (10/427).

وأما وضع النبي صلى الله عليه وسلم غصنين رطبين فهو خاص به ويدل على أن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «… فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين ». فلا بد من اعتبار لفظ الشفاعة الوارد في النص.

قال النووي: « وقد أنكر الخطابي ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث.

وقال: لا أصل له ولا وجه له » (مسلم كتاب الطهارة حديث رقم 292). وحق للخطابي أن يستنكر ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك في بقية القبور، ولو كان مشروعًا لفعله في كل القبور. ولم يفهم الصحابة ما فهمه الناس فلم يفعلوا ذلك إلا ما روي عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه ولم يعرف ذلك عن أحد من الصحابة وقد كان الدفن شيء متكرر عندهم كل يوم. وليس الرطبان يسبحان الله فقط بل ما من شيء إلا يسبح بحمده فالحجارة التي هو تحت أنقادها تسبح الله فما وجه تخصيص أغصان الرطب إن لم تقترن به الشفاعة؟