معنى « في السماء » في مفهوم أهل السنة

الذي نعتقده وندين الله به: أن الله ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ) [الزّخرف 84]، بمعنى في أعلى العلو فإن «في» ليست ظرفية هنا كما حققه البيهقي وغيره حين قال: « وكل ما علا فهو سماء » وإنما بمعنى «على» وهذا ما حكاه أبو بكر بن فورك والبيهقي عن أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه أن العرب تضع (في) بمعنى (على) كما في قوله تعالى: ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل ) [طه 71]، أي على النخل وقوله: ( فَسِيحُوا فِي الأَرْض ) [التّوبة 2]، أي سيروا على الأرض وفوقها، فكذلك قوله: « ( مَنْ فِي السَّمَاءِ ) [الملك 16]، أي على العرش فوق السماء كما صحّت به الأخبار » ونقل الحافظ ابن حجر كلام البيهقي [الأسماء والصفات 2/162-163 تحقيق عماد الدين حيدر مشكل الحديث وبيانه 172 و335 و392 وانظر فتح الباري 13/418 وانظر أيضاً 8/67 حديث رقم (4351) وفي كتاب التوحيد 13/415 وانظر كتاب الاعتقاد للبيهقي ص 113].

وهذا الكلام يجعل البيهقي في عداد مثبتي جهة العلو لله في السماء، فقد نقل النووي عن القاضي عياض ما نصه: « فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول "في السماء" أي على السماء » [شرح النووي على مسلم 5/24 – 25].

والسماء في قوله: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) [الملك 16]، ليست هي نفس المخلوق العالي: العرش فما دونه، وإنما هي اسم جنس للعالي لا يخص شيئاً. فقوله (في السماء) أي في العلو دون السفل ليس بمعنى السماء الدنيا أو التي تحت العرش كما يفتري الحبشي [إظهار العقيدة السنية 112].

ومما يؤكد أن السماء لفظ اصطلاحي يراد به العلو قول النبي صلى  الله عليه وسلم : « الخيمة درّة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون » (متفق عليه).

يبين ذلك أيضاً قول الإمام النووي رحمه الله: « قوله (طولها في السماء) أي في العلو » [شرح النووي على مسلم ج 17/176]. قال الشيخ أسامة القصاص رحمه الله: « فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن خيمة في الجنة طولها في السماء ستون ميلاً، فكيف تكون لجنة فوق السماوات السبع ثم يذكر النبي سماءً فوقها؟ فهذا الجاهل لو بقي على قوله الساقط لكان على مقتضى قوله عدم وجود الكرسي والعرش في السماء لأنهما فوق السماوات السبع » [إثبات علو الله على خلقه 1/122].

مفهوم (في السماء) كما قرره شيخ الإسلام واعلم أن ابن تيمية يكفّر من يقول إن الله في السماء بمعنى التي تحت العرش، وإنما نعني بالسماء العلو المطلق الذي هو فوق السماوات. قال ابن تيمية: « من توهّم بأن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، ضالٌّ إن اعتقده في ربه، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته » [الفتوى الحموية 62 مجموع الفتاوى 5/106].

تحرير مذهب السلف ولربما أصيب البعض بالحيرة وتساءلوا ما يدرينا أن ما تقوله هو قول السلف أهل السنة والجماعة، فإن هؤلاء يزعمون أنهم على منهج السلف وأنهم أهل السنة والجماعة؟! فأقول: اقرءوا ماذا قال السلف الصالح وما نُقِلَ عنهم، هل قال واحد منهم إن: الله ليس في السماء. واسمعوا ماذا قال الأوزاعي وهو من أئمة أهل السنة؟ قال الحافظ في الفتح: « وروى البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي أنه قال: كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته » [فتح الباري 13: 406. الأسماء والصفات، للبيهقي 2: 150 وأورده الذهبي في تذكرة الحفاظ 1/179 وسير أعلام النبلاء 7/120-121 و8/402 ومختصر العلو ص 146].

وقال الحافظ الذهبي: « مقالة السلف وأئمة السنة بل الصحابة والله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: أن الله عز وجل في السماء وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته. ومقالة الجهمية أنه في جميع الأمكنة ».

ومقالة متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش ولا في السماوات ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا خارجه ولا هو بائن عن خلقه ولا هو متصل بهم… قال لهم أهل السنة والأثر…: « إن هذه السلوب نعوت المعدوم، تعالى الله جلّ جلاله عن العدم بل هو متميز عن خلقه موصوف بما وصف به نفسه من أنه فوق العرش بلا كيف » [العلو للعلي الغفار 107 – 195 مختصر العلو 146 و 287].

وقال الحافظ ابن عبد البر في (التمهيد 7/129 – 135) ما نصه: « وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة » أضاف: « ومن الحجة أيضاً على أنه عز وجل على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليه مسلم ».

وقال عثمان الدارمي: « اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سماواته » [سير أعلام النبلاء 13/325 قال عنه الذهبي "العلامة الحافظ الناقد فاق أهل زمانه وكان لهجاً بالسنة وكان جذعاً في أعين المبتدعة" (سير أعلام النبلاء 13/319-324)].

اقرؤوا كتاب خلق أفعال العباد للبخاري والأسماء والصفات للبيهقي وانظروا ما فيهما من الروايات الثابتة عن الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة، كلها تنص على أن أهل السنة يثبتون كل ما وصف الله به نفسه لا يتأولونها كما يفعل أولئك المحرفون المعطلون.